مقال| مشاعر الرحلات بين الدول والنفس

علي بن حسين البلوشي |

اعتدنا أن نفكر في السياحة على أنها رحلة إلى عالم الترفيه والنزهة، نبحث فيها عن الجمال واختلاف الثقافات، ولكن هل يمكن للإنسان أن يسافر بعيداً دون أن يترك مكانه ؟.

هناك نوع آخر من السياحة لا يحتاج إلى طائرة ولا إلى حقيبة، إنها سياحة النفس، تلك الرحلة الهادئة التي يدخل فيها الإنسان إلى أعماقه، يراجع أفكاره ويرتب أولوياته ويتأمل حياته، ويبحث عن السلام الداخلي الذي قد يفقده وسط مشاغل الحياة.

أما سياحة الدول فهي رحلة مختلفة، تأخذنا إلى ثقافات الشعوب وبيئات جديدة، ونتعلم من تجاربهم ونكتشف أن العالم أوسع بكثير مما نراه في محيطنا المعتاد.
وقد يعود الإنسان من سفره وهو يحمل في ذاكرته صوراً جميلة وفي عقله أفكاراً جديدة، وفي نفسه رغبة في التغيير.

فسياحة الدول توسّع الأفق، بينما سياحة النفس تعمّق الإنسان وتدفعه إلى التأمل ليكتشف ذاته.
قد يزور الإنسان أجمل المدن، ويرى أجمل المناظر ويجلس في أفخم الأماكن، لكنه يعود وهو يحمل التعب والقلق النفسي، إذا لم يمنح نفسه فرصة للراحة والمراجعة.

وفي المقابل قد يجلس الإنسان في مكان بسيط وهادئ بعيداً عن الضجيج، فيعيد ترتيب حياته ويكتشف قيمة أشياء كان يظنها عادية، ومن هنا تصبح تهيئة الأجواء الهادئة والآمنة نوعاً من سياحة النفس أيضاً.
إذا كنا نبحث عن المعرفة والتجربة وتغيير الروتين، فإن السفر إلى الدول يمنحنا الكثير، وإذا كنا نبحث عن الهدوء ومراجعة الذات واستعادة التوازن، فإننا بحاجة إلى سياحة داخلية، نبتعد فيها قليلاً عن صخب الحياة ونقترب من أنفسنا.

والأجمل أن نجمع بينهما، نسافر إلى الدول لنرى العالم ثم نعود إلى أنفسنا لنفهم ما رأيناه، فليس الهدف من السفر أن نملأ ألبوم الصور فقط، وإنما أن نضيف شيئاً جديداً إلى عقولنا وقلوبنا.

قد تكون أجمل رحلة هي تلك التي لا نقطع فيها آلاف الكيلومترات، وإنما نقطع مسافة قصيرة بين ما نحن عليه الآن، وما نريد أن نكون عليه.
وكلاهما رحلة لكن أجمل الرحلات تلك التي نعود منها أكثر وعياً وأكثر هدوءاً، وأكثر تقديراً للنعم التي بين أيدينا.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*