مقال | توثيق الهوية العُمانية في السياحة.. من الحفظ إلى التفعيل

د. ناصر بن علي الجهوري |

تمتلك سلطنة عُمان ثروة سياحية استثنائية تتوزع بين الطبيعة الخلابة، والتاريخ العريق، والتراث الثقافي، والقيم الإنسانية الأصيلة. غير أن التحدي الحقيقي لم يعد في امتلاك هذه المقومات، بل في كيفية توثيقها وتفعيلها بوصفها مكونات حية للهوية الوطنية، بحيث يعيش الزائر الهوية العُمانية في كل تفاصيل تجربته.

فالهوية السياحية منظومة متكاملة تبدأ من اللغة، والمنتجات الوطنية، والعمران، والزي، والمأكولات، وأنماط الضيافة، وحتى التفاصيل الصغيرة التي تترك أثراً في ذاكرة الزائر.

ومن هذا المنطلق، فإن توثيق الهوية العُمانية في القطاع السياحي ينبغي أن يتحول إلى مشروع وطني للتفعيل. فعلى سبيل المثال، يلاحظ أن مركبات الأجرة القائمة على الحجز بالطلب حولت تلك المركبات إلى مساحات إعلانية لمصطلحات أجنبية، حتى أصبحت اللغة الأجنبية هي الحضور الأبرز عليها، بينما تكاد اللغة العربية تغيب. وهنا تبرز مبادرة وطنية تستحق الدراسة، تقوم على تعزيز حضور اللغة العربية في وسائل النقل، لتصبح المركبة سفيراً متحركاً للهوية.

كما أن المطاعم والمقاهي تمثل إحدى أهم النوافذ التي يطل منها السائح على ثقافة البلد. ولذلك فإن دعم إنشاء سلاسل مطاعم ومقاهٍ عُمانية بمعايير عالمية، تحمل أسماءً عُمانية وتعكس المطبخ والضيافة العُمانية، يعد استثماراً ثقافياً واقتصادياً في آن واحد. فالعالم يتذكر الدول من خلال العلامات الوطنية التي تصبح جزءاً من تجربته وذاكرته.

ويمكن أن تمتد مبادرات توثيق الهوية إلى إنشاء دليل وطني موحد للهوية البصرية السياحية العُمانية، يراعي توظيف العناصر التراثية العُمانية في اللوحات الإرشادية والمرافق والواجهات السياحية. كما يمكن تشجيع المستثمرين على استلهام العمارة العُمانية في المشاريع السياحية الجديدة.

ومن المبادرات الجديرة بالدراسة إطلاق مشروع وطني لتوثيق الروايات والقصص المرتبطة بالمواقع السياحية، بحيث يكون لكل قلعة، ولكل وادٍ، ولكل قرية، ولكل معلم طبيعي قصة موثقة ومتاحة رقمياً بعدة لغات. فالسائح المعاصر يبحث عن حكاية المكان بقدر ما يبحث عن جماله.

كما يمكن تعزيز حضور المنتجات الحرفية العُمانية في المنافذ السياحية والمطارات والفنادق، مع توفير شهادات تعريفية تحكي قصة المنتج وصانعه ومنطقته. فالمنتجات الحرفية العُمانية، من الخنجر إلى الفخار، تحمل جزءاً من الهوية الوطنية وتستحق أن تقدم للعالم بصورة تليق بها.

إن نجاح القطاع السياحي في المستقبل لن يقاس بعدد الزوار وحده، بل بمدى قدرة هؤلاء الزوار على تذكر عُمان بوصفها تجربة فريدة لا تشبه غيرها. وهذا لن يتحقق إلا إذا انتقلت الهوية العُمانية من المتاحف والكتب إلى الشوارع والمطارات والمطاعم ووسائل النقل والمنتجات والخدمات اليومية.

فالسياحة الحقيقية رواية متكاملة لهوية وطن. وعُمان بما تملكه من تاريخ أصيل وثقافة راسخة وإنسان كريم، تمتلك كل المقومات التي تجعل من توثيق الهوية العُمانية في القطاع السياحي مشروعاً وطنياً واستثماراً استراتيجياً يعزز الانتماء، ويحفظ الذاكرة، ويمنح الزائر تجربة لا تُنسى.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*