د. قاسم بن محمد الصالحي |
ثمّة أفكارٌ تولد في الكتب، وأفكارٌ تولد في رحم الحاجة، وأفكارٌ لا تظهر إلا حين يضيق العالم القديم عن حمل العالم الجديد. وفكرةُ أن تستعيد الجزيرة العربية وحدتها الجغرافية والسياسية ليست من جنس الأحلام التي تُقال في المجالس ثم تنام؛ إنها سؤالٌ تفرضه خرائطُ الغد على جغرافيا الأمس.
فاليمن ليس طارئاً على الجزيرة حتى يُدعى إليها، ولا جنوباً غريباً عن شمالها، ولا طرفاً ينتظر من المركز أن يمنحه صكّ الانتماء. اليمن قلبٌ قديم في جسد الجزيرة، وامتدادها البشري والتاريخي والحضاري، وبابُها المفتوح على البحر والمحيط. وإذا كانت السياسة قد شطرت الجغرافيا إلى دول، فإن الجغرافيا لم تتعلم يوماً كيف تنسى نفسها.
ولعلّ في العبارة التي تقول إن الجزيرة لا تكتمل من دون اليمن ما يتجاوز حرارة الوجدان إلى برودة الحساب الاستراتيجي. فالعالم الذي يتشكل من حولنا لم يعد عالم الدول المنفردة بقدر ما هو عالم الكتل والممرات والمصالح المتشابكة. الموانئ أصبحت أوراق قوة، والمضائق شرايين للثروة، والطاقة لغةً من لغات السياسة، والطرق التجارية حدوداً جديدة ترسمها المصالح لا الخرائط وحدها.
ومن هنا يصبح اليمن، بما له من موقع على باب المندب وخليج عدن، وبما يمتلكه من ثقل بشري وحضاري، جزءاً من معادلة أمن الجزيرة العربية، لا ملفاً مؤجلاً على هامشها.
لكن الوحدة لا تُبنى بالأمنيات، كما أن التاريخ لا يُستعاد بالخطب. وما عجز العرب عن إنجازه دفعة واحدة تحت مظلة جامعة واسعة، قد يستطيعون الاقتراب منه عبر دوائر تكامل تبدأ من الممكن، ثم تكبر بالمصلحة. اقتصاد يتشابك، وموانئ تتصل، وطرق تعبر الحدود، وطاقة تتكامل، وأمن بحري يُدار بعقل جماعي، وإنسان يجد في الجوار فرصة لا حاجزاً.
ليست المسألة إذن أن نُلغي الدول، وإنما أن نُخرج الدولة من عزلتها؛ وأن نجعل الحدود جسوراً للمصالح، لا جدراناً تفصل المصائر.
لقد علّمنا القرن الماضي أن الوحدة التي تُفرض من أعلى قد تنكسر عند أول عاصفة، أما الوحدة التي تنمو من مصالح الناس، ومن الأسواق والطرق والموانئ والجامعات والمشروعات المشتركة، فإنها تشبه الشجرة: تبدأ جذراً صغيراً، ثم لا يلبث ظلها أن يتسع.
والعالم الجديد لا يمنح كثيراً من الوقت لمن يتردد. فالقوى الكبرى تبني فضاءاتها، والتكتلات تعيد توزيع النفوذ، والممرات البحرية تتحول إلى ميادين تنافس، ومن لا يمتلك رؤيته لجغرافيته سيجد الآخرين يكتبونها نيابة عنه.
ولذلك فإن السؤال الأعمق ليس: هل يصبح اليمن عضواً في هذا المجلس أو ذاك؟. فهذه صيغة مؤسسية قابلة للنقاش والتدرج. السؤال الذي يستحق أن يُطرح هو: هل آن للجزيرة العربية أن تستعيد وعيها بأنها فضاء واحد، وأن أمن أجزائها لا يمكن أن يُبنى بمعزل عن بعضها؟.
ربما لا تبدأ الوحدة العربية الكبرى من قاعة جامعة، ولا من توقيع اتفاق، ولا من تغيير اسم مجلس.
ربما تبدأ من شيء أبسط وأعمق: أن تنظر الجغرافيا إلى نفسها من جديد.
وحين تفعل، قد نكتشف أن ما حسبناه حدوداً فاصلة لم يكن، في جوهره، إلا خطوطاً مؤقتة فوق أرضٍ واحدة، وأن الجزيرة التي فرّقتها السياسة زمناً طويلاً، تستطيع أن تجمعها المصلحة حين تستيقظ من غفوتها.
فالتاريخ لا يطرق الباب مرتين، والجغرافيا لا تغيّر عنوانها.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة