د. قاسم بن محمد الصالحي |
كل جيل يظن، حين يبلغ من العمر ما يكفي، أن الجيل الذي يليه قد أفسد شيئًا كان هو يحسن صنعه. ولعلها واحدة من أقدم غرائز الإنسان: أن يجعل من تجربته مقياسًا للعالم، ومن اختلاف الآخرين دليلًا على نقصهم.
ومن هنا تبدأ الحكاية مع “جيل زد”.
جيلٌ كثيراً ما نستقبله بالأحكام قبل الأسئلة: أقل صبراً، أكثر تمرداً، شديد التعلق بالهاتف، ضعيف الصلة بالعادات، سريع الملل، مختلف في نظرته إلى العمل والأسرة والمجتمع. وقد يكون في بعض هذا القول شيء من الحقيقة، لكن الحقيقة لا تكتمل إذا نظرنا إلى الجيل ولم ننظر إلى العصر الذي صنعه.
فناقشوه قبل أن تدينوه.
لقد ولد هذا الجيل في عالم لم تعد المعرفة فيه تأتي على مهل. العالم كله حاضر في شاشة صغيرة، والخبر يصل قبل أن يكتمل، والصورة تسبق الحقيقة، والرأي يسبق أحيانًا المعرفة. ومن الطبيعي أن يتغير الإنسان حين تتغير البيئة التي يتشكل فيها وعيه.
نحن نرى الهاتف في يده، ولا نرى العالم الذي يحمله الهاتف إليه.
نرى ابتعاده عن بعض الموروث، ولا نسأل إن كان قد تلقى من الموروث تفسيراً مقنعاً لمعناه. نراه يسأل السلطة، فنعد ذلك تمرداً، ولا نسأل إن كانت السلطة قد قدمت له من الحجة ما يجعله يقتنع قبل أن يطيع.
وهنا الفرق بين التربية التي تصنع إنساناً تابعاً، والتربية التي تصنع إنسانًا مسؤولًا.
ليس المطلوب أن نقبل كل ما يأتي به جيل زد؛ ففيه العجلة، وفيه الاستهلاك، وفيه عبادة الصورة، وفيه قابلية للتأثر بالموجة العابرة. لكنه في المقابل أكثر قدرة على الوصول إلى المعرفة، وأكثر جرأة في السؤال، وأسرع قدرة على التعلم والتكيف مع عالم يتغير كل يوم.
فلماذا نرى عيوبه بأعين مكبرة، ومزاياه بأعين ضيقة؟.
إن الخطأ الأكبر أن نطالبه بأن يكون صورة منا. نحن عشنا في زمن مختلف، وهو يعيش في زمن مختلف. وما نحتاجه ليس أن نعيد إنتاج الماضي، بل أن نمنح المستقبل ما هو صالح من الماضي، وأن نترك لهذا الجيل مساحة ليضيف إليه.
ليس كل جديد فضيلة، كما أن ليس كل قديم حكمة.
القيمة الحقيقية في أن نعرف ماذا يبقى، وماذا يتغير، ولماذا.
ولذلك فإن السؤال الصحيح ليس: “ما الذي أصاب هذا الجيل؟”. بل: “ما الذي أصاب العالم حتى أصبح هذا الجيل على هذه الصورة؟”.
إذا فهمنا السؤال، بدأ الحوار. وإذا بدأ الحوار، أمكن أن يبدأ الإصلاح.
فالجيل الجديد لا يحتاج إلى من يصرخ في وجهه بأنه مخطئ؛ يحتاج إلى من يجلس معه ويسأله: لماذا ترى الأشياء هكذا؟.
ونحن، قبل أن نطالب أبناءنا باحترام تجربتنا، مطالبون باحترام عقولهم.
ناقشوا جيل زد قبل أن تدينوه؛ فقد يكون اختلافه عيباً في بعضه، لكنه قد يكون في بعضه الآخر مجرد صورة صادقة لعصرٍ نحن الذين صنعناه.
والأجيال لا تُقاس بمدى شبهها بمن سبقها، وإنما بقدرتها على أن تجعل العالم الذي ستسلمه لمن بعدها أفضل مما تسلمته.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة