مقال| قِف.. فالقانون يبدأ من حيث ينتهي العذر

د. قاسم بن محمد الصالحي |

قد تبدو إشارة “قِف” أمام حافلة مدرسية مجرد إجراء مروري بسيط، لكن وراء هذه الإشارة فلسفة كاملة في احترام القانون والمجتمع والإنسان. فعندما تتوقف حافلة تقل أطفالاً، لا يكون الطريق مجرد مساحة من الإسفلت، ولا تكون الإشارة مجرد لون أحمر؛ هناك حياة صغيرة قد تعبر الطريق، وثقة أسرة بأن المجتمع من حولها سيحمي أبناءها.

المفارقة أن بعضنا، حين يسافر إلى بلد آخر، يحرص على معرفة قوانينه بدقة، ويحسب قيمة المخالفة قبل أن يفكر في تجاوزها، بينما يتعامل البعض مع القانون في وطنه بمنطق مختلف: ما دامت الرقابة غائبة، فالمجال مفتوح للاجتهاد!.

وهنا تبدأ المشكلة.

فالقانون لا ينبغي أن يكون علاقة بين المواطن والغرامة، وإنما علاقة بين الإنسان ومسؤوليته. والغرامة ليست الهدف، بل أداة أخيرة عندما يفشل الوعي في أداء دوره. والمجتمع الذي لا يحترم القانون إلا خوفاً من العقوبة، لم يصل بعد إلى مرحلة النضج التي يصبح فيها الالتزام سلوكاً ذاتياً.

ولهذا فإن “قِف” أكبر من حافلة مدرسية. إنها رسالة تقول لنا: توقف أمام حق الآخرين، توقف أمام الخطر، وتذكر أن الطريق ليس ملكاً لمن يصل أولاً، وإنما مساحة مشتركة تحكمها قواعد تحفظ سلامة الجميع.

ومن هنا، فإن بناء ثقافة احترام القانون مسؤولية متكاملة. السائق مسؤول عن الالتزام وعدم جعل الاستعجال مبرراً للمجازفة، والأسرة مسؤولة عن غرس احترام النظام من خلال القدوة قبل التوجيه، والمدرسة مسؤولة عن تحويل السلامة المرورية إلى سلوك تربوي يومي، والإعلام مسؤول عن صناعة وعي مستمر يتجاوز الحديث عن الغرامة إلى شرح قيمة القانون وأثره، بينما تتحمل الجهات المختصة مسؤولية وضوح التشريعات والإشارات، وتوفير البيئة الآمنة، والرقابة العادلة والفاعلة.

لكن المسؤولية في النهاية مسؤولية مجتمع بأكمله. فلنجعل من “قِف” ثقافة تتجاوز الطريق: أن يتوقف كل منا عند حدود حق الآخرين، وأن نربي أبناءنا على احترام النظام، وأن ننبه بعضنا بعضاً دون تردد، وأن ندرك أن الالتزام لا يحتاج دائماً إلى شرطي يراقبنا.

قِف.. ليس خوفاً من الغرامة، بل احتراماً للإنسان. ولنجعل سلامة أطفالنا، واحترام القانون، وحماية الطريق، التزاماً مجتمعياً يبدأ من كل واحد منا.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*