د. قاسم بن محمد الصالحي |
لم يكن أبو مسلم البهلاني يكتب لزمانه وحده. بعض الكلمات تتجاوز عصرها، لأنها لا تخاطب حادثةً بعينها، وإنما تخاطب ذلك الجزء في الإنسان الذي يظل قابلاً للخطأ كلما ظن أنه امتلك الحقيقة كاملة.
ولهذا، حين نقرأ اليوم: “ألا هل لداعي الله في الأرض سامع”، ربما كان علينا أن نغيّر السؤال. لا نسأل: من كان يعني أبو مسلم؟. بل نسأل: هل نحن اليوم ممن يسمع؟.
“فالغث” الذي كان يحذر منه لا يعيش بالضرورة في الكتب القديمة؛ قد يكون بين أيدينا الآن، في رسالة واتساب، أو مقطع قصير، أو تغريدة، أو رأي يتناقله الناس حتى يصبح، من كثرة تكراره، كأنه حقيقة.
وقد يكون الغث في حياتنا اليومية أبسط من ذلك وأخطر.
أن نربي أبناءنا على الصدق، ثم نبرر لهم الكذب حين يخدم مصلحتنا. أن نتحدث عن الرحمة، ثم نكون قساة على من يخالفنا. أن نطالب الجيل باحترام الآخر، بينما يسمع في مجالسنا أحكاماً جارحة على الناس. أن نرفع شعار الأخلاق، ثم نقيس الناس بما يملكون لا بما يقدمون.
وهنا تكمن المشكلة: نحن أحياناً لا نورث أبناءنا الدين وحده، وإنما نورثهم أيضاً أخطاءنا في فهم الدين وممارسته، ثم نغضب حين يسألون.
الجيل الجديد يعيش في عالم مختلف. لم تعد الأسرة والمدرسة والمسجد وحدها مصادر المعرفة. هاتف صغير في يد شاب يمكن أن يفتح أمامه آلاف الأصوات، الصالح منها والطالح، العميق منها والسطحي، المتزن منها والمتطرف.
ولذلك فإن معركة هذا الجيل ليست مع الدين، كما قد نتوهم؛ إنها مع الفوضى التي تحيط بالدين: معلومات بلا مصادر، أحكام بلا سياق، مشاعر تتحول إلى فتاوى، وآراء شخصية تُقدَّم وكأنها حقائق نهائية.
وهنا نحتاج إلى شجاعة أبي مسلم، ولكن في اتجاه آخر: شجاعة مراجعة الذات.
علينا أن نعلّم أبناءنا أن السؤال لا يعني التمرد، وأن التفكير لا يعني ضعف الإيمان، وأن الاختلاف لا يستوجب الكراهية، وأن التراث يُحترم دون أن يتحول كله إلى مقدس، وأن الدين أوسع من أن تختصره خصومة، أو رأي، أو جماعة، أو شخص.
وفي مجتمعنا العُماني، الذي قامت قوته عبر التاريخ على التعايش والتسامح وحفظ النسيج الاجتماعي، تصبح هذه المسؤولية أكبر. فالمجتمع لا يحافظ على توازنه بالشعارات، وإنما بما يراه الطفل في البيت، والطالب في المدرسة، والشاب في المنصة الرقمية، والإنسان في مجلسه وشارعه وعمله.
لذلك ربما تكون أعظم قراءة لأبي مسلم اليوم أن نقرأه على أنفسنا قبل أن نقرأه على الآخرين.
فلنسأل أنفسنا كل صباح: ماذا نعلّم أبناءنا بسلوكنا؟. ماذا نرسل في هواتفنا؟ ماذا نصدق؟. ماذا ننشر؟. وكيف نتعامل مع المختلف؟.
فالجيل القادم لن يتذكر كثيراً ما قلناه له عن الأخلاق؛ لكنه سيتذكر جيداً كيف عاملناه، وكيف عاملنا المختلفين، وكيف مارسنا القيم التي طالبناه بها.
وربما كان أخطر “غث” يدخل إلى حياتنا ليس ما يأتي من خارجنا، وإنما ما نصنعه نحن بأيدينا، ثم نلبسه ثوب العادة أو المصلحة أو الانفعال، ونطلب من أبنائنا أن يرثوه معنا.
فإصلاح الجيل لا يبدأ بأن نسأل: ماذا تغيّر في أبنائنا؟ بل بأن نسأل أولاً: ماذا تغيّر فينا نحن؟.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة