د. قاسم بن محمد الصالحي |
فاتتها الحافلة، فلم يفتها الطريق.
في أول صباح للدراسة، كان يمكن لطفلة صغيرة أن تقف حائرة، وأن تجعل من فوات الحافلة عذرًا للغياب. لكنها لم تفعل. حملت حقيبتها، وامتطت جوادها، ومضت إلى المدرسة.
قد يكون الفيديو المتداول حقيقيًا بكل تفاصيله، وقد تكون له غاية أخرى أو سياق لا نعرفه. وليس من الحكمة أن نبني قصة كاملة على مشهد قصير قبل التحقق من مصدره. لكن قيمة الصورة، حتى مع هذا التحفظ، لا تتوقف على حقيقة الرواية؛ فقد فتحت أمامنا معنى جميلاً يستحق التأمل.
طفلة تحمل كتب الغد، وجواد يحمل ذاكرة الأمس. وفي عُمان، حيث للخيل مكانة راسخة في الوجدان، تبدو الصورة مصالحة بين زمنين: ماضٍ عريق يرافق طفولة تتجه إلى المستقبل.
ما يشد في المشهد ليس غرابته، بل بساطته. فالطفل حين يريد شيئًا لا يبدأ عادة بسؤال: ما الأعذار المتاحة؟. وإنما يبحث، بعفوية، عن الطريق. وفي هذه البراءة درس للكبار؛ إذ نثقل خطواتنا أحياناً بكثرة الحسابات حتى يصبح العائق أكبر من الغاية.
ولذلك تبدو المدرسة في الصورة أكثر من مبنى ينتظر التلاميذ. إنها وعد بالمستقبل، وبداية لعلاقة الإنسان بالمعرفة. فحب التعلم لا يبدأ دائمًا من كتاب أو جرس أو مقعد دراسي؛ قد يبدأ من رغبة صغيرة في ألا يفوت الطفل صباحه الأول.
أما الجواد، فحضوره يمنح الحكاية بعدًا عمانيًا خاصًا. إنه ليس مجرد وسيلة انتقال، بل صورة من علاقة الإنسان العماني بالخيل، وما تختزنه من معاني الأصالة والشجاعة والصبر. وحين تجتمع الحقيبة واللجام، يبدو كأن الماضي لا يقف في مواجهة المستقبل، بل يمد إليه يده.
ولعل أجمل ما في الأمر أن الطفلة، إن كانت القصة كما تبدو، لم تكن تصنع بطولة ولم تكن تبحث عن إعجاب. كانت تريد الوصول فحسب. وهذا هو معنى الإصرار حين يكون بريئاً: أن تفعل ما عليك، دون انتظار تصفيق.
وحتى إن اتضح لاحقاً أن للفيديو حقيقة مختلفة أو غاية إعلامية أو رمزية، فإن الصورة قد تركت في وجدان الناس سؤالاً أوسع: كيف نربي أبناءنا على ألا تجعلهم العوائق أسرى لها؟.
قد تتعطل الوسيلة، وقد يتغير الطريق، لكن قيمة الإنسان تظهر حين لا يسمح للعقبة أن تختار له وجهته.
في صباح عُماني، بقيت طفلة وجواد وحقيبة في صورة واحدة؛ صورة تقول إن أجمل دروس الحياة قد تأتي أحياناً من مشهد صغير، وإن الطريق إلى العلم يبدأ بالرغبة في الوصول.
فإذا فاتتنا الحافلة، فلنبحث عن الطريق؛ فالمستقبل لا ينتظر المترددين.
وليس المهم أن نصدق كل ما نراه، بل أن نتأمل ما يوقظه فينا من قيم؛ فالحكايات قد تختلف، لكن حب المعرفة، والاعتماد على النفس، واحترام الخيل، والإيمان بالمستقبل، معانٍ لا تحتاج إلى كثير شرح صادق.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة