مقال | العالم الذي يولد بيننا

د. قاسم بن محمد الصالحي |

ليست كل التحولات الكبرى في التاريخ لها لحظة ميلاد يمكن أن نضع عليها إصبعاً ونقول: هنا انتهى عالم وبدأ عالم آخر. بعض العوالم تولد ببطء؛ في صمت المؤتمرات، وفي تبدّل خرائط التجارة، وفي اتفاقات تُبرم بين خصوم الأمس، وفي دول تكتشف أن مصالحها أوسع من حدود التحالفات التي ورثتها.

ولعل المشهد الذي خرج من نيودلهي في قمة “بريكس” يستحق أن يُقرأ بهذه العين.

فالقصة ليست في بيان سياسي آخر، ولا في اجتماع قادة دول تختلف في تعريف مصالحها ومصادر أمنها. القصة أن إيران والإمارات والسعودية جلست في الإطار نفسه، بينما كانت الصين وروسيا والهند والبرازيل وجنوب أفريقيا تنظر إلى المشهد من مواقع مختلفة، ثم انتهت جميعاً إلى لغة مشتركة حول خفض التصعيد، والسيادة، وأمن التجارة والطاقة والممرات البحرية.

هذا ليس تحالفاً جديداً بالمعنى القديم، وربما تكمن أهميته في أنه ليس تحالفاً أصلاً.

إنه صورة مبكرة لعالم تتراجع فيه فكرة “المعسكر” لمصلحة “الشبكة”. دولة قد تكون شريكاً أمنياً لواشنطن، وشريكاً اقتصادياً لبكين، وطرفاً في حوار مع موسكو، وفي الوقت ذاته تحتفظ بقنوات مفتوحة مع خصم إقليمي. لم تعد السياسة الدولية لعبة أبيض وأسود؛ لقد أصبحت مساحة واسعة من الرمادي الذي تتحرك فيه المصالح.

وهنا يكمن التحول الأخطر.

القوة في العالم الجديد لن تقاس فقط بعدد الطائرات والصواريخ، وإنما بالقدرة على التحكم في التدفقات: النفط والغاز، الموانئ، الكابلات، الرقائق، البيانات، سلاسل الإمداد، أنظمة الدفع، والممرات البحرية. من يمتلك عقدة في هذه الشبكة يستطيع أن يملك تأثيراً يتجاوز حجمه الجغرافي والديموغرافي.

ولهذا فإن هرمز وباب المندب والمحيط الهندي ليست مجرد أسماء على خرائط بحرية؛ إنها أجزاء من هندسة القوة القادمة.

أما “بريكس”، فهي لا تبدو في طريقها إلى أن تصبح نسخة أخرى من حلف عسكري. قيمتها الحقيقية أنها توفر منصة لدول تريد إعادة توزيع القدرة على صناعة القواعد، وتوسيع خياراتها المالية والتجارية، وتقليل اعتمادها على منظومة واحدة، من دون أن تتخلى بالضرورة عن علاقاتها بالغرب.

إنها بداية تفاوض طويل على شكل العالم، لا إعلان حرب على عالم سابق.

وفي هذا الانتقال تظهر قيمة الدول التي لا تحتاج إلى اختيار معسكر كي تثبت استقلال قرارها. فالدولة المتوسطة، إذا امتلكت الثقة والجغرافيا والقدرة الاقتصادية والدبلوماسية، تستطيع أن تتحول من “متلقٍ للتوازن” إلى صانع للتوازن.

وهنا تبدو عُمان، بهدوئها التاريخي وموقعها البحري وشبكة علاقاتها، أمام فرصة تتجاوز حدود اللحظة.

ففي العالم القديم كانت الجغرافيا قدراً.

أما في العالم الجديد، فقد تصبح الجغرافيا رأس مالٍ سياسياً.

ولعل السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا ليس: من سينتصر في العالم متعدد الأقطاب؟.

بل: من سيكون قادراً على إدارة تعدده دون أن يتحول تعدده إلى فوضى؟.

فالعالم الجديد لا يولد حين يسقط قطب؛

إنه يولد حين تتعلم الأقطاب أن تتعايش.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*