د. قاسم بن محمد الصالحي |
أحياناً يأتيك الوطن من حيث لا تتوقع.
من بلادٍ بعيدة، ومن صوتٍ لا ينتمي إلى جغرافيتك، تسمع من يقول لك ما كدت تنساه: أن اليمن ليس خبراً في نشرات الأخبار، ولا خريطةً تتنازعها العناوين، ولا ساحةً تختبر فيها الأطراف قوتها؛ اليمن أولاً وأخيراً وطنٌ يسكن القلوب.
هكذا بدت لي كلمات الشاعرة والمغنية التونسية سوار الصحراوي وهي تغني لليمن.
ولعل أجمل ما في الحكاية أن اليمنيين لم يسمعوا صوتاً غريباً عنهم، بل وجدوا في كلمات تونسية شيئاً من أنفسهم. ولهذا جاء التفاعل معها بهذا الدفء؛ لأن الفن حين يلامس الذاكرة لا يحتاج إلى جواز سفر.
قد تكون الأغنية عملاً فنياً، وقد تتحول إلى «ترند» ثم تخفت موجته، لكن بعض الكلمات لا تنتهي بانتهاء الترند؛ لأنها تقول شيئاً أعمق من الأغنية نفسها.
تقول لليمني: ما زال هناك من يراك وطناً قبل أن يراك طرفاً.
وهذه، في زمن الانقسام، ليست كلمة عابرة.
اليمنيون الذين اختلفوا طويلاً حول السياسة، والسلطة، والمناطق، والمشاريع، يحتاجون أحياناً إلى أن يسمعوا صوتاً يأتي من خارج حدود الخصومة ليذكرهم بأن بينهم شيئاً أكبر من خلافاتهم.
ذلك الشيء هو اليمن.
اليمن الذي عرفته الحضارات قبل أن تعرفه خرائط السياسة الحديثة. اليمن الذي حمل اسم سبأ وحمير، وفتح موانئه للبحر، ومدّ أثره في الجزيرة العربية، وترك في الذاكرة العربية ما هو أكبر من حدود اللحظة.
ولهذا فإن أجمل ما يمكن أن يقرأه اليمني في هذه الأغنية ليس مدح تونس لليمن، وإنما تذكير اليمني باليمن.
فحين تغني تونس لليمن، لا ينبغي أن نسأل فقط: لماذا أحبت هذه الفنانة اليمن؟.
بل نسأل أنفسنا: هل ما زلنا نحب اليمن بالطريقة التي يستحقها؟.
هل نستطيع أن نختلف على السلطة ولا نختلف على الوطن؟.
أن نتنافس على السياسة ولا نتنافس على تمزيق الجغرافيا؟.
أن يكون لنا أكثر من رأي، دون أن يكون لنا أكثر من يمن؟.
ربما لهذا وجدت كلمات سوار طريقها إلى قلوب اليمنيين. لأنها جاءت في اللحظة التي يحتاج فيها الوطن إلى من يقول له: أنت أكبر من خلافات أبنائك.
ولعل الرسالة الأجمل التي يمكن أن تعود بها هذه الأغنية إلى اليمنيين هي أن الوحدة ليست شعاراً يُرفع، بل شعورٌ يُستعاد؛ وأن اليمن لا يحتاج إلى أن يتشابه أبناؤه حتى يجتمعوا، وإنما يحتاج إلى أن يتذكروا أن اختلافهم لا يلغي وطنهم.
لقد غنّت تونس لليمن.
ويبقى السؤال الذي تركته الكلمات لليمنيين أنفسهم:
إذا كان قلبٌ تونسي قد اتسع لليمن كله، أفلا تتسع قلوب اليمنيين لبعضهم؟.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة