د. قاسم بن محمد الصالحي |
ما أكثر ما يضيع الحق حين يعلو الصوت، وما أكثر ما تموت القضايا الكبرى في الزحام، لا لأن الناس أنكروها، ولكن لأنهم لم يعودوا يرونها. فالبصيرة إذا أرهقها الجدل، عميت عن مواضع النور، والعقل إذا استُنزف في السفاسف، لم يبق فيه من القوة ما ينهض بحمل الحقائق.
ولقد ابتُليت الأمم في هذا العصر بداءٍ ليس في فقر المال، ولا في قلة الرجال، وإنما في اضطراب الميزان؛ ميزانٌ يجعل الصغير كبيراً، والعابر خالداً، ويهب للطارئ من الاهتمام ما يبخل به على المصير. فإذا الناس يتسابقون إلى ما يثير أعصابهم، ولا يلتفتون إلى ما يبني أوطانهم، وكأن النفوس قد ألفت صخب الريح، ونفرت من سكينة الفكر.
إن الحقيقة لا تصرخ، وإنما تعمل في صمت. أما الوهم، فلا يعيش إلا إذا أحاط نفسه بالجلبة، واستكثر من الألسنة، واستعار من الانفعال ما يعجز عنه البرهان. ولهذا كان الضجيج في أكثر أحواله ستاراً يُخفى وراءه عجز الفكرة، أو يُصرف به الناس عن موضع الخطر الحقيقي.
وليس أشد فقراً من أمةٍ تملك العقول ثم تهبها لكل نداءٍ عابر، وتملك الوقت ثم تنثره على ما لا يبقى، وتملك المستقبل ثم تبيعه بثمن لحظةٍ من الانفعال. فالأوطان لا تهدمها المعاول أولاً، وإنما يهدمها اختلال البوصلة، حين يتبدل موضع الأولويات، فينشغل الناس بما يختلفون عليه، ويغفلون عما يجتمعون عليه.
ولقد علَّمنا التاريخ أن الخراب لا يبدأ يوم تسقط الجدران، بل يوم تسقط المعاني. فإذا هان الحق في النفوس، واستوى الجليل والهزيل في ميزان الاهتمام، أصبح كل يومٍ يؤخر الإصلاح خطوة، ويقدم الفساد خطوات.
فليست الحكمة أن يكون للمرء رأي في كل شيء، وإنما أن يعرف أي الأشياء أحق بأن يُفكَّر فيها، وأيها أجدر بأن يُترك لرياح النسيان. فالعاقل لا يقيس الأمور بما تحدثه من ضوضاء، وإنما بما تتركه من أثر. وبين ضجيجٍ يملأ الآفاق ثم يذروه الهواء، وحقيقةٍ صامتة تصنع مستقبل أمة، يكون الفارق بين شعبٍ يعيش يومه، وشعبٍ يصنع غده.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة