مقال | “مليون سائح لا يساوي مليون سائح”.. هل أخطأنا في قياس نجاح السياحة العربية؟. “1”

محمود النشيط|

إعلامي بحريني متخصص في الإعلام السياحي

المتابع للشأن السياحي يدرك تماماً مدى العلاقة الوطيدة مع التنمية الاقتصادية بالإضافة إلى دور السياحة بشكل عام في دعم الناتج المحلي للبلد، وإن لغة الأرقام كلما ارتفعت يكون المردود أعلى إلا أن بعض الأحيان تكون المعادلة مختلفة “مليون سائح لا يساوي مليون سائح” وفق الأسباب المتعددة أبرزها ما يكون على الجغرافيا السياسية في قياس السياحة العربية.

في عالم السياحة اليوم، لم يعد السؤال الأكثر أهمية هو: كم سائحاً استقبلت؟ بل أصبح السؤال الأكثر دقة: كم أنفق هؤلاء السياح؟. وكم ليلة أقاموا؟. وأين أنفقوا أموالهم؟، وما القيمة التي تركوها خلفهم؟ وهذه المعادلة الجديدة تفرض نفسها بقوة على صناعة السياحة العربية، التي شهدت خلال السنوات الأخيرة نمواً لافتاً في أعداد الزوار والاستثمارات والمشروعات السياحية، حتى أصبحت السياحة أحد أهم محركات التنويع الاقتصادي في عدد من الدول العربية.

لكن خلف الأرقام القياسية سؤال يستحق التوقف عنده وهو هل مليون سائح ينفق كل منهم 500 دولار أفضل من نصف مليون سائح ينفق كل منهم 2000 دولار؟، والإجابة الاقتصادية واضحة، لكنها لا تزال غائبة أحياناً عن الخطاب السياحي الذي يحتفي بعدد الوافدين باعتباره المؤشر الأول والأهم للنجاح.

لدينا في منطقة الخليج نموذج واضح لتحول المعادلة حيث تقدم المملكة العربية السعودية مثالاً مهماً على أهمية النظر إلى الإنفاق وليس الوصول فقط. فوفق التقرير الإحصائي السنوي لوزارة السياحة السعودية لعام 2025، بلغ إجمالي عدد السياح المحليين والوافدين نحو 123 مليون سائح، بزيادة 6% عن عام 2024، بينما بلغ إجمالي الإنفاق السياحي نحو 304 مليارات ريال، بزيادة %7 .

والأكثر دلالة أن السياحة الوافدة سجلت 29.3 مليون سائح، بإجمالي إنفاق بلغ 176.6 مليار ريال، أي أن قيمة الإنفاق أصبحت جزءاً أساسياً من قراءة نجاح التجربة السياحية السعودية، وليس مجرد عدد القادمين. كما تشير بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن إيرادات السفر من السياحة الوافدة في السعودية بلغت 176.6 مليار ريال في 2025، بزيادة 5% عن 2024، رغم انخفاض عدد الوافدين بنسبة . % 1.6

وهذه نقطة شديدة الأهمية إذ أن انخفاض عدد الزوار لا يعني بالضرورة تراجع السياحة إذا ارتفعت الإيرادات، بل قد يكون العكس مؤشراً على انتقال الوجهة من السياحة الكمية إلى السياحة الأعلى قيمة.

كذلك النموذج الآخر حين يصبح الإنفاق مؤشراً على قوة الوجهة كما هو في دولة الإمارات العربية المتحدة أيضاً تظهر أهمية هذا المؤشر؛ إذ توقع المجلس العالمي للسفر والسياحة WTTC أن يصل إنفاق الزوار الدوليين في الإمارات خلال 2025 إلى مستوى قياسي يبلغ 228.5 مليار درهم، بزيادة 37% عن الذروة المسجلة في .2019

وهنا تظهر ميزة مهمة للوجهات التي استطاعت بناء منظومة سياحية متكاملة تجمع بين الفنادق والمنتجعات والتسوق والمطاعم والترفيه والفعاليات والأعمال والطيران. فالسائح لا يأتي إلى الوجهة من أجل «المبيت» فقط؛ وإنما يدخل في شبكة واسعة من الأنشطة الاقتصادية.

ومن الأخطاء الشائعة اختزال مفهوم السياحة عالية القيمة.. ليست بالضرورة سياحة الأغنياء وفي السائح الثري أو الفنادق الفاخرة. والمفهوم أوسع من ذلك، حيث السائح عالي القيمة هو السائح الذي يقيم فترة أطول، وينفق بصورة أكبر داخل الاقتصاد المحلي، ويستهلك مجموعة متنوعة من الخدمات. كذلك يزور أكثر من منطقة، ويشارك في تجارب ثقافية وطبيعية وترفيهية. بالإضافة إلى استخدام الخدمات المحلية، ويميل إلى تكرار الزيارة أو التوصية بالوجهة. ولهذا فإن تطوير تجربة سياحية متكاملة قد يكون أكثر فائدة للاقتصاد من مجرد زيادة أعداد القادمين.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*