مقال | حين تصبح الحديقة سوراً للوطن

د. قاسم بن محمد الصالحي |

كثيراً ما نظن أن الأمن يبدأ عند حدود الوطن، حيث يقف الجندي حارسًا للتراب، وتبحر السفن لحماية الممرات، وتتحرك الدبلوماسية في دهاليز السياسة. لكن الزمن يكشف لنا، في كل أزمة، أن للأمن وجوهاً أخرى أكثر هدوءاً، وأعمق أثراً. فقد يبدأ الأمن أحيانًا من بذرة صغيرة في حديقة منزل، ومن شجرة يعتني بها طفل، ومن يدٍ تغرس اليوم ما قد تحتاج إليه الأسرة غداً.

لقد علّمتنا التحولات المتسارعة في العالم أن الحروب لم تعد تُخاض بالسلاح وحده، بل بالغذاء، والمياه، والطاقة، وسلاسل الإمداد. وحين تضطرب البحار، أو تُغلق الممرات، أو تتبدل موازين القوى، لا يكون السؤال الأول: من انتصر؟ بل: من يملك قوت يومه؟.

إن الأمن الغذائي ليس شعاراً اقتصادياً، ولا برنامجاً حكومياً فحسب، بل ثقافة مجتمعية تبدأ من البيت. فكل حديقة منزلية تُزرع هي خطوة صغيرة نحو استقلال أكبر، وكل شجرة مثمرة هي إعلان صامت بأن المجتمع الذي ينتج جزءًا من غذائه يمتلك قدرة أعلى على الصمود أمام تقلبات العالم.

لقد اعتدنا أن ننظر إلى الحدائق بوصفها زينة للمنازل، بينما هي في حقيقتها يمكن أن تكون مخازن للحياة. فالنخلة التي تثمر، والليمونة التي تظلل، والطماطم التي تنبت في ركن صغير، ليست مجرد نباتات، بل رسائل تقول إن الاكتفاء لا يبدأ من الأسواق، وإنما من الوعي.

وليس المقصود أن يتحول كل منزل إلى مزرعة، وإنما أن يتحول كل مواطن إلى شريك في صناعة الأمن الوطني. فالدولة تبني السياسات، وتطور الزراعة، وتدعم الاستثمار، أما المجتمع فيبني ثقافة الإنتاج، ويغرس في أبنائه قيمة أن ما نزرعه بأيدينا هو أول أشكال الحرية.

إن الأمم التي تنتظر السفن لتطعمها، تبقى رهينة للبحر. أما الأمم التي تجعل من كل بيت مساحةً للعطاء، فإنها تبني حصونها بصمت، دون ضجيج، ودون أن ترفع شعارات كبيرة.

وربما آن الأوان لأن نستعيد علاقتنا بالأرض، لا باعتبارها إرثاً من الماضي، بل ضماناً للمستقبل. فالبذرة التي نغرسها اليوم ليست استثمارًا في موسم زراعي فحسب، وإنما استثمار في أمن الوطن، وفي كرامة الإنسان، وفي قدرة المجتمع على مواجهة عالم يزداد اضطراباً يوماً بعد يوم.

ولعل أجمل ما يمكن أن نورثه لأبنائنا ليس حديقةً خضراء فحسب، بل فكرةً خضراء أيضًا؛ أن اليد التي تزرع لا تخشى المجاعة، وأن المجتمع الذي يحسن إنتاج غذائه، يحسن الدفاع عن مستقبله، وأن الوطن لا تحميه الجيوش وحدها، بل تحميه كذلك سنبلةٌ تنمو، وشجرةٌ تثمر، وحديقةٌ منزليةٌ تتحول، في صمت، إلى أحد أسوار الأمن الوطني.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*