مقال | حين خاطبت عُمان العالم من بوابة الحضارة

د. قاسم بن محمد الصالحي|

ليس من قبيل المصادفة أن تختار عُمان منصة اليونسكو لتقول ما تريد قوله للعالم. ففي الأزمنة المضطربة، لا تصبح المنصات مجرد أماكن لإلقاء الكلمات، بل تتحول إلى رموز تعكس طبيعة الرسائل واتجاهاتها. ومنظمة تُعنى بالعلم والثقافة والتربية ليست مجرد مؤسسة أممية، وإنما تمثل ضمير الإنسانية حين تتنازعها المصالح، وذاكرتها حين تتنازعها الحروب.

ولهذا، فإن كلمة جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم، حفظه الله ورعاه، لم تكن خطاباً عن الثقافة بقدر ما كانت خطاباً من الثقافة؛ ثقافةٍ ترى الإنسان قبل الجغرافيا، والقيم قبل المصالح، والتاريخ بوصفه مسؤولية تجاه المستقبل، لا مجرد سجل للماضي.

وفي عالمٍ باتت فيه السياسة أسيرة لغة الردع، والاقتصاد رهينة العقوبات، والإعلام ساحةً لصناعة الاستقطاب، جاءت الرسالة العُمانية لتعيد الاعتبار إلى ما هو أعمق من كل ذلك: الإنسان. فالإنسان المتعلم، المعتز بهويته، المنفتح على غيره، هو الحصن الأخير في مواجهة الفوضى التي لا تُولد من اختلاف الثقافات، وإنما من انهيارها.

وما بين السطور، كانت عُمان تقدم تعريفاً جديداً للقوة. فالقوة ليست فقط ما تمتلكه الدول من عتاد، بل ما تمتلكه من قدرة على بناء الثقة. وليست في فرض الإرادة، بل في صناعة التوافق. وليست في إدارة الصراع، بل في منع نشأته أصلًا عبر المعرفة والحوار والاحترام المتبادل.

هذه هي الفلسفة التي نسجت السياسة العُمانية عبر عقود؛ فلسفة لم تفصل يوماً بين الدبلوماسية والثقافة، ولا بين التاريخ والسياسة، ولا بين الهوية والانفتاح. فمنذ أن كانت السفن العُمانية تجوب المحيط الهندي وسواحل شرق أفريقيا، لم تكن تحمل البضائع وحدها، بل حملت معها لغة التبادل والتعايش والاحترام، فصنعت حضورًا بقي أثره حين غاب أثر كثير من الإمبراطوريات التي راهنت على السلاح.

ولعل الرسالة الأبعد في كلمة اليونسكو أن المستقبل لن يكون لمن يملك أكبر ترسانة، وإنما لمن يملك أكبر قدرة على إنتاج المعرفة، وصيانة الذاكرة الإنسانية، وتحويل التنوع إلى مصدر قوة لا إلى سبب صراع. إنها دعوة إلى عالم يعيد ترتيب أولوياته، فيضع المدرسة قبل المتراس، والمكتبة قبل الخندق، والحوار قبل القطيعة.

وفي هذا المعنى، لم تكن عُمان تخاطب الحاضرين في القاعة، بل كانت تخاطب القرن الحادي والعشرين كله؛ وكأنها تقول إن البشرية لن تعبر أزماتها المتلاحقة إذا بقيت تُداوي نتائج الحروب وتغفل أسبابها. فبناء الإنسان يسبق بناء التحالفات، وحماية الثقافة تسبق حماية الحدود، وإحياء الضمير الإنساني هو الشرط الأول لإحياء النظام الدولي نفسه.

إنها ليست كلمة عابرة في سجل منظمة دولية، بل بيان حضاري صادر من دولة اختارت أن يكون رصيدها الأكبر هو الثقة، وأن يكون نفوذها امتدادًا لقيمها، وأن تجعل من الاعتدال مشروعاً، ومن الحوار منهجاً، ومن الثقافة جسراً تعبر عليه الإنسانية من ضيق الصراع إلى سعة الشراكة.

وهكذا، بينما ينشغل العالم بإعادة رسم خرائط النفوذ، بدت عُمان منشغلة بإعادة رسم خرائط الوعي. وتلك، في نهاية المطاف، هي الخرائط الوحيدة التي تبقى حين تتغير الحدود، وتتبدل الموازين، وتطوي السنون ضجيج السياسة، ويبقى أثر الفكرة الصادقة شاهداً على زمنها.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*