د. قاسم بن محمد الصالحي|
في زمنٍ تتغير فيه خرائط المصالح أسرع من تغيّر الفصول، وتعيد الأمم ترتيب أولوياتها تحت وطأة الأزمات والحروب والتحولات الكبرى، يقف اليمن اليوم أمام لحظةٍ استثنائية؛ لحظة لا تحتاج إلى مزيد من الخصومات بقدر حاجتها إلى استدعاء أعمق ما في الذاكرة اليمنية من حكمةٍ وصبرٍ وبصيرة.
لقد أنهكت السنوات الوطن، وأثقلت كاهل الناس، وتوزعت الأحلام بين الجبهات والمنافي، غير أن اليمن ظل أكبر من أوجاعه، وأوسع من خلافاته، وأبقى من كل المشاريع العابرة. فالأوطان العريقة لا تُقاس بما تمر به من عواصف، بل بقدرتها على النهوض كلما ظن الآخرون أنها وصلت إلى النهاية.
واليوم، بينما تتجه المنطقة بأسرها نحو البحث عن التسويات، وتغلب لغة المصالح المشتركة على أصوات الصدام، تبدو الفرصة سانحة أمام اليمنيين لالتقاط اللحظة قبل أن تعبرهم. فالتاريخ لا ينتظر المترددين، والفرص الكبرى لا تطرق الأبواب مرتين.
إن المناشدات التي ترتفع من هنا وهناك داعيةً إلى الحوار والتقارب ليست دعوات ضعف، بل نداءات عقلٍ أدرك أن ما يجمع اليمنيين أكبر بكثير مما يفرقهم. فليس في اليمن منتصرٌ حقيقي إذا خسر الوطن، وليس فيه مهزومٌ أكبر ممن يضيع فرصة السلام حين تقترب.
لقد علّمتنا الحكمة اليمانية أن القبائل تتصالح، وأن الخصومات تزول، وأن الجبال التي فرقت الطرق كانت دائماً تجمع القلوب. وعلّمنا التاريخ أن اليمن كلما ضاقت به السبل وجد في العقلاء والحكماء من يفتحون نوافذ الضوء وسط العتمة.
إن الوطن اليوم لا يحتاج إلى خطاب الغلبة، بل إلى خطاب المحبة. لا يحتاج إلى تعداد المظالم بقدر حاجته إلى البحث عن المشتركات. لا يحتاج إلى رفع الأسوار بين أبنائه، بل إلى مدّ الجسور بينهم. فالأجيال القادمة لن تسأل من انتصر في معركة، بل ستسأل من أنقذ اليمن حين كان في أمسّ الحاجة إلى من ينقذه.
ومن قلب هذا المخاض الإقليمي والدولي، تبدو الرسالة أكثر وضوحًا من أي وقت مضى: اغتنموا الفرصة. افتحوا أبواب الحوار. استمعوا إلى بعضكم بعضًا. أعيدوا بناء الثقة قبل بناء المؤسسات، وأعيدوا ترميم النفوس قبل ترميم الحجر.
فاليمن ليس مجرد أرضٍ نتقاسمها، بل ذاكرةٌ نتوارثها، ومستقبلٌ نتشارك مسؤوليته. وإذا كانت السياسة قد فرقت الطرق، فإن الحكمة قادرة على أن تجمعها من جديد.
وحين تتكئ الحكمة على ذاكرة الوطن، يصبح المستحيل ممكنًا، وتتحول المناشدات إلى مبادرات، والمبادرات إلى مصالحة، والمصالحة إلى فجرٍ جديد يستحقه اليمن وأبناؤه جميعاً.
فليكن صوت العقل أعلى من ضجيج الخلاف، ولتكن مصلحة اليمن فوق كل مصلحة، ولنتذكر دائمًا أن الأوطان العظيمة لا يحفظها الأقوياء وحدهم، بل يحفظها الحكماء أيضاً.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة