مقال | حين يصبح الإنسان مشروع الوطن

د. قاسم بن محمد الصالحي |

ثمة حقيقة تبدو بسيطة، لكنها تختصر جوهر التنمية كلها: الأوطان لا تبنيها الموارد وحدها، وإنما الإنسان الذي يعرف كيف يحول الموارد إلى مستقبل.

قد نبني المدن والطرق والموانئ، ونمتلك أحدث التقنيات، ونضع الخطط الطموحة، لكن كل ذلك يظل أدوات صامتة ما لم يوجد الإنسان القادر على تشغيلها، وتطويرها، وحمايتها، وإضافة شيء جديد إليها.

ومن هنا تبدأ قيمة القيادة الحقيقية. فالقيادة ليست سلطة على الناس، وإنما قدرة على اكتشاف ما في الناس من طاقات، ومنحهم الثقة، وفتح الطريق أمامهم ليصبحوا أفضل مما كانوا.

هناك قائد يصنع أتباعاً ينتظرون التعليمات، وقائد يصنع أفراداً يفكرون ويبادِرون ويتحملون المسؤولية. الأول يحرس موقعه، والثاني يبني مؤسسة تستطيع أن تستمر من بعده. ولهذا فإن أعظم إنجاز للقائد ليس ما أنجزه بنفسه، وإنما عدد القادة الذين صنعهم من حوله.

والثقة هنا ليست مجاملة إدارية؛ إنها استثمار. كلمة تشجيع قد تفتح موهبة، وفرصة واحدة قد تغير مسار حياة، ومساحة للخطأ والتجربة قد تصنع مبتكراً لم يكن ليظهر في بيئة تخشى المخاطرة.

والمؤسسات مطالبة بأن تفهم هذه الحقيقة. فالوزارة والجامعة والمدرسة والشركة والنادي والجمعية ليست هياكل ولوائح فقط؛ إنها بيئات لصناعة الإنسان. فإذا كوفئت المبادرة، واحترمت الكفاءة، وأتيح الاختلاف، وأصبح التعلم جزءاً من العمل، تحولت المؤسسة إلى مصنع للطاقات. أما حين يصبح الصمت أكثر أماناً من الفكرة، والقرب أهم من الكفاءة، فإن الموهبة قد تغادر المكان وهي لا تزال جالسة في مكتبها.

وتبدأ صناعة الإنسان قبل المؤسسة: في الأسرة التي تعلم أبناءها المسؤولية والحوار، وفي المدرسة التي تكتشف الموهبة ولا تكتفي بتلقين المعلومات، وفي الجامعة التي تصنع العقل القادر على السؤال لا الطالب الباحث عن الشهادة، وفي المجتمع الذي يحتفي بالعلم والعمل والنزاهة بقدر احتفائه بالشهرة.

حتى القطاع الخاص شريك في هذه المهمة؛ فالعقول التي يعمل بها هي أعظم أصوله. والاستثمار في التدريب والابتكار وإعداد الصف الثاني ليس إنفاقاً، بل حماية لمستقبل المؤسسة.

ولعلنا بحاجة إلى أن نعيد تعريف النجاح: ليس أن تصل وحدك، بل أن تجعل آخرين قادرين على الوصول.

فالدولة التي تريد مستقبلاً مختلفاً تحتاج إلى إنسان مختلف: واثق، متعلم، مبادر، قادر على التكيف، ويحمل قيمة العمل والمسؤولية.

لذلك فإن الاستثمار الحقيقي ليس في السؤال: كم أنفقنا على الإنسان؟ بل في سؤال أعمق: كم إنساناً أصبح أفضل بسبب ما استثمرناه فيه؟.

هناك يبدأ الحساب الحقيقي للتنمية، وهناك يبدأ الوطن.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*