مقال | التشريعات والأنظمة.. الأساس لصناعة سياحة عُمانية مزدهرة

 د. ناصر بن علي الجهوري|

أصبحت السياحة صناعة اقتصادية تُبنى على منظومة من التشريعات والأنظمة التي توفر بيئة استثمارية جاذبة، وتحفظ الحقوق، وترفع الجودة، وتعزز الثقة. ولذلك فإن الدول الناجحة سياحاً قامت ببناء منظومة تشريعية مرنة وفعالة قادرة على مواكبة التحولات العالمية.

تملك سلطنة عُمان من المقومات الطبيعية والثقافية والتاريخية ما يؤهلها لأن تكون من أبرز الوجهات السياحية في المنطقة؛ غير أن تعظيم العائد منها يتطلب استمرار تطوير البيئة التشريعية والتنظيمية بما يواكب مستهدفات التنويع الاقتصادي ورؤية عُمان 2040، ويمنح المستثمرين وضوحاً وثقةً وسرعةً في الإنجاز.

فالاستثمار السياحي استثمار طويل الأجل يعتمد على الاستقرار التشريعي أكثر من اعتماده على الحوافز المالية المؤقتة. وكلما كانت الأنظمة واضحة والإجراءات مبسطة، ارتفعت القدرة التنافسية للدولة في جذب الاستثمارات النوعية.

عليه، تبرز أهمية الانتقال من مفهوم تنظيم النشاط السياحي إلى مفهوم صناعة البيئة السياحية؛ فالقانون أصبح محركاً للتنمية الاقتصادية، وتحفيز الاستثمار، ورفع جودة الخدمات، وحماية الموارد الوطنية، وتحقيق الاستدامة.

كما أن التطور المتسارع في أنماط السياحة يفرض مراجعة مستمرة للتشريعات، إذ تحتاج السياحة النوعية، مثل: البيئية والعلاجية والمغامرات والمؤتمرات إلى أطر تنظيمية متخصصة تواكب متطلبات كل منها.

وفي المقابل، أصبح الاقتصاد الرقمي جزءاً أصيلاً، فالسائح يبدأ رحلته إلكترونياً بالحجز والدفع والتقييم، مما يستدعي تطوير الأنظمة المرتبطة بالتراخيص الرقمية، والمدفوعات الإلكترونية، والبيانات السياحية، وحماية المستهلك.

ولا تقل أهمية التشريعات المنظمة للشراكة بين القطاعين العام والخاص، إذ يحتاج تطوير الوجهات السياحية الكبرى إلى بيئة قانونية تمنح المستثمرين الثقة في استدامة المشروعات، ووضوح الحقوق والالتزامات، مع نماذج استثمارية مرنة تشجع على الاستثمار طويل الأمد.

كما يتطلب الأمر مزيداً من التكامل بين الإجراءات الحكومية والجهات ذات العلاقة، بحيث تصبح رحلة المستثمر أكثر انسيابية من اختيار الموقع حتى التشغيل، مما يعزز جاذبية السلطنة للاستثمارات السياحية.

وينبغي أن تواكب الأنظمة مفهوم السياحة المستدامة، بما يحقق التوازن بين التنمية الاقتصادية والمحافظة على البيئة والهوية الثقافية، وتشجيع المشروعات التي تعزز التنمية المحلية وتولد فرص عمل مستدامة.

ولا يقتصر أثر التشريعات على المستثمرين، بل يمتد إلى السائح؛ فكلما كانت حقوقه وواجباته واضحة، وآليات الشكاوى فعالة، ومعايير الجودة محددة، ارتفعت مستويات الرضا، وتحولت التجربة الإيجابية إلى أداة تسويق عالمية مؤثرة.

ومع ما تشهده سلطنة عُمان من مشروعات سياحية واعدة وتوسع في البنية الأساسية، فإن الفرصة مواتية لمراجعة التشريعات، لتصبح أكثر تكاملًا ومرونة، وتمنح مساحة أوسع للابتكار، مع المحافظة على الثوابت الوطنية والخصوصية الثقافية.

إن صناعة السياحة لا تقوم على المنشآت وحدها، بل تقوم على منظومة تشريعية ذكية، وإجراءات كفؤة، ومؤسسات تعمل بروح الشراكة، ورؤية تنظر إلى السياحة بوصفها صناعة وطنية متكاملة قادرة على جذب الاستثمار، وتنشيط الاقتصاد، وتعزيز المكانة الدولية لسلطنة عُمان.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*