مقال| المرأة العُمانية.. نكهة المكان وروح الزمان

د. قاسم بن محمد الصالحي|

في السابع عشر من أكتوبر من كل عام، تتجدّد في عُمان نغمة الوفاء للمرأة، لا بوصفها نصف المجتمع فحسب، بل بوصفها الروح التي تُنضج وعيه وتُهذّب مسيرته. إن يوم المرأة العُمانية ليس احتفاءً شكليًا أو مناسبة عابرة، بل هو قراءة متجددة لمسارٍ طويلٍ من المشاركة والتمكين، في وطنٍ آمن بأنّ التوازن بين أدوار الرجال والنساء هو جوهرُ التنمية الحقيقية.

لقد تجاوزت المرأة العُمانية مرحلة البحث عن الاعتراف، لتدخل مرحلة إثبات الوجود بالفعل لا بالقول؛ فهي اليوم حاضرة في الاقتصاد والتعليم والإدارة والفكر والدبلوماسية، وتغزل بخيوط عطائها ثوباً وطنياً متين النسيج. وفي قطاع السياحة تحديداً، تبرز المرأة كأحد أعمدة الرؤية المستقبلية لعُمان، إذ تجمع بين رهافة الحسّ الأنثوي ودقّة الوعي الثقافي في إبراز هوية المكان وذاكرته.

فالمرأة العُمانية، حين تدير دار ضيافة في نزوى، أو تستقبل الزوّار بابتسامتها في مسندم، أو تصوغ الفضة والحليّ في مطرح، لا تمارس عملاً تجاريًا فحسب، بل تمارس حفاظًا على الذاكرة الوطنية، وتحوّل السياحة إلى حوارٍ حضاري بين الإنسان والمكان. إنها تُعيد تعريف السياحة بوصفها مشروعاً ثقافياً وإنسانياً قبل أن تكون اقتصاديًا.

ولعلّ أجمل ما في التجربة العُمانية أنّ تمكين المرأة لم يكن استيراداً من الخارج، بل نابعًا من عمق الثقافة العُمانية نفسها، التي احترمت المرأة في بيتها وسوقها ومدرستها منذ القدم. واليوم، وهي تشارك في صياغة المستقبل ضمن رؤية عُمان 2040، تؤكد أن النهضة لا تكتمل إلا بتكامل الفكرين: فكر المرأة الذي يمنح الأشياء معناها الإنساني، وفكر الرجل الذي يمنحها مسارها العملي.

وفي السياحة المستدامة، يزداد حضور المرأة العُمانية جمالاً وعمقًا؛ فهي التي تحفظ التوازن بين الأصالة والحداثة، وتحوّل الحِرف اليدوية إلى قيمة اقتصادية، والمنازل القديمة إلى فضاءات للضيافة، والموروث الشعبي إلى تجربةٍ حيةٍ تدهش الزائر وتعرّف العالم بوجه عُمان الإنساني. إنها تمارس دورها كحارسٍ للذاكرة، وبانيةٍ لجسور المستقبل في آنٍ واحد.

في يوم المرأة العُمانية، نقف أمام مشهدٍ وطنيٍّ تفيض فيه القيم بالعطاء، وتتحول فيه الرموز إلى حقائق ملموسة؛ فالمساواة هنا ليست شعارًا مرفوعًا، بل ممارسة يومية تُترجم في مواقع القرار والعمل والإبداع.

إنها رسالة عُمانية إلى العالم تقول: إن التنمية لا تُقاس بما نملك من موارد، بل بما نُطلق من طاقات، والمرأة كانت – وستبقى – طاقة عُمان الدافئة في مسيرة البناء والإنسان.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*