د. قاسم بن محمد الصالحي|
ليست كل البنوك تُبنى من أجل الربح فقط، فبعضها يُشيَّد ليكون امتداداً لذاكرةٍ عميقة، وجسراً بين زمنين. هكذا تبدو خطوة سلطنة عُمان وهي تعلن تأسيس بنكها في قلب لواندا؛ عودةٌ هادئة إلى أفريقيا، ولكن بأدوات العصر.
لم تكن العلاقة بين عُمان والقارة السمراء طارئة، بل كُتبت على صفحة البحر منذ قرون، حين كانت السفن العُمانية تعبر إلى زنجبار وسواحل الشرق الأفريقي، حاملةً معها التجارة، ومخلّفةً أثراً حضارياً لا يزال حيّاً في اللغة والوجدان. تلك العلاقة لم تُبنَ على الهيمنة، بل على التبادل، ولهذا بقيت قابلة للاستدعاء حين تتغيّر الأزمنة.
اليوم، يتخذ هذا الامتداد شكلاً جديداً. فالبنك ليس مجرد مؤسسة مالية، بل أداة لإعادة صياغة الحضور العُماني في أفريقيا، عبر الاستثمار، وتمويل المشاريع، وفتح المسارات أمام الشركات العُمانية للتوسع خارج حدودها. إنه انتقال من حركة السفن إلى حركة رؤوس الأموال، ومن الموانئ إلى المنصات المالية.
في عالمٍ تتسابق فيه القوى الكبرى على أفريقيا، تبدو عُمان مختلفة في مقاربتها؛ فهي لا تدخل القارة بثقل النفوذ، بل بخفة الشراكة، مستندة إلى رصيدٍ تاريخي يمنحها مصداقية نادرة. وهذا ما يجعل من هذه الخطوة أكثر من مشروع اقتصادي، بل رسالة سياسية هادئة مفادها أن التنمية يمكن أن تُبنى على الثقة، لا على الإملاءات.
إن فتح البنك في لواندا ليس بداية علاقة، بل استئناف لمسار. وكما كانت الأمواج قديماً تحمل العُمانيين إلى أفريقيا، فإن التمويل اليوم يحملهم مجدداً، ولكن نحو أفقٍ أوسع: أفقٍ تُعاد فيه كتابة الشراكة، بلغة الاقتصاد، وروح التاريخ.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة