د. قاسم بن محمد الصالحي|
في زمنٍ تتسارع فيه الأخبار حتى تسبق تحققها، وتُتداول فيه الكلمة قبل أن تُوزن بميزان العقل، يعود السؤال الأهم: كيف يحمي المجتمع نفسه دون أن يفقد صوته؟. هنا لا نحتاج إلى ابتكار جديد بقدر ما نحتاج إلى استدعاء قديم راسخ في وجداننا.. من الإرث العُماني.
لقد عُرف العُماني عبر تاريخه، بأنه لا يكتفي بسماع الخبر، بل “يناشد عن العلوم” يسأل ويتثبت، ويردّ القول إلى أهله قبل أن يبني عليه حكمًا أو ينقله إلى غيره، إذ لم تكن هذه العادة مجرد سلوك اجتماعي، بل كانت نظاماً ضمنياً يحمي المجتمع من التسرّع، ويصون تماسكه من الشائعات، ويجعل من الكلمة مسؤولية قبل أن تكون حقاً.
واليوم، ومع اتساع الفضاء الرقمي، لم تعد الشائعة همسًا عابراً، بل قد تتحول إلى موجة تُربك مجتمعاً، أو تؤثر في اقتصاد، أو تمسّ علاقة دولة بأخرى، ومن هنا، يأتي تنظيم استخدام التقنية لا بوصفه تقييدًا، بل امتدادًا لذلك الإرث الذي يضع للكلمة وزنها، وللخبر قيمته، وللتداول حدوده الأخلاقية.
إن قوة المجتمع لا تقاس بمدى حريته في القول فقط، بل بقدرته على التمييز بين ما يُقال وما ينبغي أن يُقال، فليس كل ما يُنشر يستحق أن يُعاد نشره، وليس كل ما يُتداول يُبنى عليه موقف، وهنا تتجلى الحكمة العُمانية: أن التثبت ليس بطئاً؛ بل بصيرة، وأن التريث ليس ضعفاً، بل قوة تحمي المجتمع من الانزلاق.
من الإرث العُماني نتعلم أن المسؤولية لا تُفرض من الخارج، بل تُبنى من الداخل، وأن أفضل القوانين هي تلك التي تجد صداها في سلوك الناس قبل نصوصها، فإذا استعدنا عادتنا في السؤال، ووعينا أثر الكلمة، أصبح كل فرد خط دفاع، وكل مجتمع حصناً منيعاً، وبين ضجيج العالم الرقمي، يبقى صوت الإرث العُماني أكثر هدوءًا.. لكنه الأصدق أثراً.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة