د. قاسم بن محمد الصالحي |
ما أقسى أن تُقاس قيمة الأوطان بما تختزنه أرضها، لا بما تحتضنه من إنسان. وما أوجع أن تتحول خرائط الشعوب، في دفاتر القوى الكبرى، إلى مساحاتٍ قابلة لإعادة الرسم، كلما اقتضت المصالح أو تبدلت موازين القوة.
لقد خرجت الشعوب في ساحاتها، تهتف دفاعاً عن أوطانها، لا لأنها تعشق الحرب، بل لأنها تخشى أن يأتي يومٌ لا يبقى فيه من الوطن سوى اسمه، ولا من السيادة سوى علمٍ يرفرف فوق قرارٍ يصنعه غير أهله.
إن أخطر ما في فلسفة الهيمنة الحديثة أنها لم تعد ترى الدولة وطنًا له ذاكرة، ولا الأمة شعبًا له هوية، بل تنظر إليها باعتبارها مجالًا استراتيجياً، أو ممراً للطاقة، أو سوقاً للاستهلاك، أو عقدةً في شبكة النفوذ الدولي. فإذا تعارضت هوية الشعوب مع خرائط المصالح، أصبح المطلوب – في نظر أصحاب القوة – أن تتغير الهوية، لا أن تُراجع المصالح.
ومن هنا، لم تعد الهيمنة تكتفي بالسيطرة على الأرض، بل امتدت إلى محاولة التأثير في الاقتصاد، والإعلام، والثقافة، وأنماط الحياة، حتى يغدو الإنسان غريباً في تاريخه، مستهلكاً لما يُراد له أن يستهلك، ومقتنعاً بما يُراد له أن يقتنع، ومتحركاً داخل حدودٍ رسمها غيره.
ولما كان احتلال الأرض في القرن الحادي والعشرين أكثر كلفة من ذي قبل، برزت أدوات أخرى؛ العقوبات، والعزل، والضغوط الاقتصادية، والحروب بالوكالة، وحملات التأثير الإعلامي، ومحاولات إعادة تشكيل البيئات السياسية بما يخدم موازين القوة. وفي هذا السياق، ارتبط في كثير من النقاشات مفهوم “الفوضى الخلاقة” بفكرة أن الاضطراب قد يُستخدم بوصفه مدخلًا لإعادة ترتيب الإقليم. غير أن التجربة في أكثر من بلد أظهرت أن الفوضى، متى انفلتت، لا تسأل عن هوية ضحاياها، ولا تميز بين نظامٍ وشعب، ولا بين حاكمٍ ووطن.
ولهذا، فإن الحشود التي تملأ الساحات اليوم ليست مجرد تجمهرٍ بشري، بل هي – في نظر أصحابها – إعلان رفضٍ لفكرة أن تُدار المنطقة من خارجها، وأن تُحدد شعوبها شكل حياتها وفق إرادة الآخرين. وقد يختلف الناس في تقييم هذه الحشود، وفي طبيعة القوى التي تدعو إليها أو تمثلها، لكن ما لا ينبغي تجاهله هو أن كثيرًا من المجتمعات تنظر إلى الصراع باعتباره دفاعًا عن حقها في تقرير مصيرها، قبل أن يكون صراعًا على موازين القوى.
إن الأمم لا تُقاس بثرواتها وحدها، بل بحقها في أن تحيا وفق خياراتها. والسيادة ليست مجرد خطوط على الخرائط، بل حق الشعوب في أن تصوغ مستقبلها دون إملاء، وأن تختار طريقها دون وصاية، وأن تخطئ وتصيب بإرادتها، لا بإرادة غيرها.
لقد علمتنا التجارب أن القوة تستطيع أن تهزم جيشاً، لكنها لا تستطيع أن تمتلك ذاكرة أمة. وأن الخرائط قد تُرسم بالحبر أو بالنار، غير أن التاريخ لا يثبت منها إلا ما قبلته الشعوب طوعاً، لا ما فُرض عليها قسراً.
ولعل السؤال الذي سيبقى يطارد هذا العصر ليس: من كان الأقوى؟. بل: من احترم حق الشعوب في أن تبقى أوطانها لأهلها، لا ساحاتٍ لتصفية الحسابات، ولا ميادين لإعادة هندسة العالم وفق مصالح الأقوياء.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة