د. قاسم بن محمد الصالحي|
في مضيق هرمز، لا تعبر السفن وحدها.. تعبر معها الحكايات.
منذ أن كانت مراكب عُمان تشق زرقة المحيط، محمّلةً باللبان والتمر والبحّارة الذين يحفظون النجوم أكثر مما يحفظون أسماءهم، كان العبور هنا امتحاناً للمعنى قبل أن يكون انتقالاً في المكان. لم يكن المضيق مجرد ممر، بل كان سؤالاً مفتوحاً: من يملك الجرأة على المرور، ومن يملك الحكمة لئلا يفسد المرور؟.
يُقال إن البحر لا يُغلق أبوابه، لكنه يُضيّقها حين يكثر الصخب. وفي هذا المضيق الضيق، كانت الإمبراطوريات تتعلم درسها الأول: أن السيطرة على الماء ليست كامتلاك اليابسة. هنا مرّ البرتغاليون بأعلامهم الثقيلة، ثم جاء البريطانيون بخرائطهم الدقيقة، واليوم تعبر بوارج القيادة المركزية الأمريكية، تراقب أكثر مما تفعل، وتلوّح أكثر مما تصطدم.
لكن البحر، كعادته، لا يروي القصة كما يكتبها المنتصرون.
في كل عبور، هناك روايتان:
رواية من يرى نفسه سيد المضيق، يلوّح بالمفاتيح كأن الماء باب يُقفل ويُفتح.
ورواية من يفهم أن المضيق لا يُملَك، بل يُدار، وأن العبور فيه ليس إعلان سيادة بقدر ما هو اختبار توازن.
ولعل إيران تعرف ذلك جيداً، كما تعرفه الولايات المتحدة، وكما تعرفه قبلهم أمم مرّت واندثرت، تاركةً خلفها حطام سفن وأسماء معارك لا يذكرها أحد. كلهم ظنّوا أن بإمكانهم تثبيت البحر عند لحظة انتصار.. لكن البحر لا يثبت.
في الليل، حين تهدأ الموجة، وتختفي أصوات البيانات والتصريحات، يبقى المضيق كما كان: شرياناً لا يحتمل الانسداد، ومسرحاً لا يقبل ممثلاً واحداً. من يعبره بالقوة، يكتشف أنه عبر لحظة، لا تاريخاً. ومن يعبره بالحكمة، يدرك أن أعظم الانتصارات هي تلك التي لا تُطلق فيها رصاصة.
هكذا يكتب البحر روايته:
لا بمن مرّ، بل بمن فهم معنى المرور.
ففي النهاية، لا أحد يملك المضيق.. لكن الجميع محتاج أن يعبره.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة