د. ناصر بن علي الجهوري |
بينما يقيّم العالم آثار كأس العالم 2026، تبدأ الدول الاستعداد المبكر لاستثمار البطولات المقبلة بوصفها فرصاً تنموية طويلة المدى. ومع استضافة المملكة العربية السعودية الشقيقة لكأس العالم 2034، تمتلك سلطنة عُمان فرصة استثنائية لتحويل الحدث إلى مشروع تنموي متكامل. ويبقى السؤال الأهم: ماذا ينبغي أن نبدأ به اليوم؟.
الإجابة تبدأ بوضع رؤية وطنية مبكرة تستثمر هذا الحدث قبل انطلاقه بسنوات، لا بالاستعداد له عند اقتراب موعده.
وتتمثل أولى الفرص في تحقيق حلم التأهل إلى نهائيات كأس العالم. فإقامة البطولة في المنطقة تمنح المنتخب العُماني حافزاً استثنائياً، إلا أن التأهل يتطلب مشروعاً وطنياً طويل المدى يبدأ من المدارس والأندية والأكاديميات، ويشمل اكتشاف المواهب، وتطوير المسابقات، وتأهيل المدربين، والاستثمار في علوم الرياضة والتحليل الرقمي للأداء.
وقد أثبتت التجارب أن النجاح الكروي لا يرتبط بحجم السكان، بل بجودة التخطيط واستدامة الاستثمار، وتمتلك عُمان من الطاقات البشرية ما يؤهلها لتحقيق نقلة نوعية متى توافرت الرؤية والاستمرارية.
لكن الفرصة الأكبر تكمن خارج المستطيل الأخضر؛ فكأس العالم صناعة اقتصادية متكاملة تستقطب ملايين الزوار والإعلاميين والمستثمرين، وتنعش قطاعات النقل والضيافة والسياحة والترفيه، كما يمتد أثرها لسنوات من خلال تعزيز الصورة الذهنية للدول وجذب الاستثمارات.
وأثبتت تجربة قطر 2022 أن مكاسب البطولة تمتد إلى دول الجوار، فيما يمنح عام 2034 السلطنة عقداً كاملاً للاستعداد واستثمار هذه الفرصة بكفاءة.
وفي ظل توجه أنظار العالم إلى المنطقة، تستطيع سلطنة عُمان تعزيز مكانتها وجهةً سياحية تجمع بين الطبيعة والثقافة. ويمكن تصميم برامج سياحية متكاملة تتيح للزوار حضور المباريات واستكشاف عُمان، بالتوازي مع تطوير الربط الجوي والبري والبحري، وزيادة الطاقة الفندقية، وتعزيز الاستثمار في السياحة الرياضية والبيئية.
كما تمثل البطولة فرصة واعدة للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة ورواد الأعمال لتطوير منتجات وخدمات في مجالات التقنيات الرقمية، والخدمات اللوجستية، والصناعات الإبداعية. ولا يقل دور المدارس والجامعات أهمية، إذ يمكنها إعداد كوادر وطنية في مختلف المجالات التي تتيحها البطولة.
ولتحويل هذه الرؤية إلى واقع ملموس، يتطلب ذلك تشكيل لجنة وطنية استراتيجية تقود خارطة طريق حتى 2034، توحد الجهود وتتابع تنفيذ المبادرات وتعظيم العوائد.
إن الدول التي تحقق أكبر المكاسب من الأحداث العالمية ليست بالضرورة الدول المستضيفة، بل تلك التي تستعد مبكراُ، وتبني رؤى واضحة، وشراكات طويلة الأمد، وتحوّل الفرص إلى برامج عمل قابلة للتنفيذ. وينبغي النظر إلى كأس العالم 2034 بوصفه مشروعاً وطنياً لعقد كامل، تتكامل فيه الرياضة والسياحة والتعليم والاقتصاد والتنمية.
فإذا نجحنا في بناء منتخب منافس، وتطوير قطاع سياحي جاذب، وتمكين شبابنا ومؤسساتنا من استثمار الفرص، فلن تكون سلطنة عُمان دولة مجاورة للحدث فحسب، بل شريكاً في صناعة مكاسبه؛ فالفوز الحقيقي يبدأ اليوم، لا مع صافرة المباراة الأولى.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة