د. قاسم بن محمد الصالحي |
في عالم السياسة، لا تختار الدول دائماً جيرانها، لكنها تختار كيف تدير علاقتها بهم. كما أنها لا تختار دائماً شكل النظام الدولي من حولها، لكنها تختار كيف توازن بين القوى المتنافسة فيه. وبين هذين الواقعين تتحرك دول الخليج؛ بين شراكة أمنية عميقة مع الولايات المتحدة، وجغرافيا تفرض عليها التعامل مع إيران كجار قريب مهما اختلفت الحسابات السياسية.
فالتحالف مع قوة كبرى يمنح الدولة عناصر ردع وحماية، لكنه لا يلغي حقيقة أن الجغرافيا لها أحكامها. فالجار يبقى حاضراً في معادلة الأمن، سواء في أوقات الاستقرار أو الأزمات. ومن هنا فإن أمن الخليج لا يمكن أن يُبنى فقط على موازين القوة العسكرية، بل يحتاج أيضاً إلى إدارة حكيمة لعلاقات الجوار، تمنع تحول الاختلافات السياسية إلى تهديد دائم للاستقرار.
إن السؤال الذي تفرضه الأزمات المتصاعدة ليس فقط: هل يستطيع الحليف حماية شريكه؟ بل أيضًا: هل يستطيع الحليف أن يدير قوته بطريقة لا تجعل الشريك يدفع ثمن المواجهة؟ فالدول الخليجية، بحكم موقعها، تدرك أن أي تصعيد كبير في المنطقة لن يبقى محصوراً بين الأطراف المتواجهة، بل قد تمتد آثاره إلى الممرات البحرية والطاقة والتجارة والمنشآت الحيوية.
وفي المقابل، فإن علاقة الجوار لا تعني غياب الخلافات أو تجاهل مصادر القلق، لكنها تعني إدراك أن الاستقرار الطويل لا يُصنع فقط عبر الردع، بل عبر بناء قواعد واضحة للتعايش وإدارة المصالح المتعارضة. فالجغرافيا تفرض الحوار حتى بين الخصوم، كما تفرض على الحلفاء إدراك حساسيات المكان الذي يعملون فيه.
لقد تغير مفهوم الأمن في المنطقة؛ فلم يعد الأمن مجرد وجود قوة تحمي الحدود، بل أصبح قدرة على منع الأزمات من الوصول إلى نقطة الانفجار. فالتحالفات تحتاج إلى تشاور عميق، وعلاقات الجوار تحتاج إلى قنوات تواصل مستمرة، والدول الصغيرة والمتوسطة تحتاج إلى هامش حركة يحفظ مصالحها وسط تنافس القوى الكبرى.
وفي النهاية، فإن الحكمة الاستراتيجية تكمن في تحقيق التوازن: لا أمن بلا شراكات، ولا استقرار بلا حسن إدارة للجوار. فالدولة التي تنجح في بناء علاقة متوازنة مع حليفها وجارها معاً، هي التي تحوّل الجغرافيا من مصدر قلق إلى مساحة نفوذ واستقرار.
ففي زمن التحولات الكبرى، لا يكفي أن تعرف من يقف إلى جانبك، بل يجب أن تعرف أيضًا من يقف بالقرب منك.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة