مقال | وارفة الظلال بالغة الجمال.. مسقط كما يود أن تكون

د. ناصر بن علي الجهوري|

حين تُذكر مسقط، يتبادر إلى الذهن ذلك الامتزاج الفريد بين زرقة البحر وامتداد الجبال وهدوء العمران الأبيض المتناثر على السفوح، في لوحةٍ تتكامل فيها الطبيعة مع التخطيط، ويعززها حضور التشجير والمساحات المفتوحة. ليست مسقط مدينةً عابرة، بل حاضرة تتكئ على عمق التاريخ، وتستشرف المستقبل بثقة. فهي العاصمة والواجهة الحضارية، ونموذج تنموي يجمع بين الأصالة والحداثة.

لقد حافظت مسقط عبر عقود على طابعها العمراني المنضبط؛ فبقيت منخفضة البنيان، متناسقة الألوان، بعيدة عن الفوضى البصرية. غير أن التحولات الاقتصادية المتسارعة، والنمو السكاني المطّرد، واتساع الرقعة الحضرية، تفرض رؤية أكثر طموحاً لتطوير البنية الأساسية وتعزيز جاهزية المدينة.

وتشير بيانات المركز الوطني للإحصاء والمعلومات إلى أن عدد سكان محافظة مسقط تجاوز 1.53 مليون نسمة بنهاية عام 2025، بنمو يقارب 2.2% عن العام السابق، ما يعكس تسارعاً ديموغرافياً يضاعف الضغط على الطرق والإسكان والخدمات العامة، ويعزز الحاجة إلى تخطيط استباقي.

فالمدينة العصرية لا تُقاس بجمال واجهاتها فقط، بل بمتانة شبكاتها وقدرتها على الاستدامة. ومن هنا تبرز الحاجة إلى توسعة الطرق، وإنشاء محاور بديلة، وتطوير الجسور والأنفاق، وتحديث شبكات تصريف الأمطار، وتعزيز البنية الرقمية والخدمات الذكية، لبناء مدينة مرنة قادرة على الاستجابة للطوارئ والتحولات المختلفة المتسارعة.

كما أن الاستثمار في البنية الأساسية ليس إنفاقاً آنياً، بل تأسيس طويل الأمد لجاذبية اقتصادية وسياحية، يعزز كفاءة الحركة، واستقطاب الاستثمارات، وموقع مسقط كمركز إقليمي للأعمال والسياحة المستدامة.

ويبقى تطوير النقل العام أحد أبرز التحديات والفرص؛ فالاعتماد على المركبات الخاصة رفع الكثافة المرورية وأثقل البنية القائمة، ما يستدعي مشروع نقل جماعي متكامل، عبر حافلات سريعة أو مترو أو ترام، ضمن رؤية مرحلية قابلة للتوسع.

ومنظومة النقل الحديثة لا تقلل الازدحام فحسب، بل تخفض الانبعاثات، وتحسن جودة الحياة، وتعزز العدالة في الوصول إلى الخدمات، إلى جانب توفير ممرات آمنة للمشاة ومسارات للدراجات.

والرؤية المستقبلية ينبغي أن تضع الإنسان في قلب التخطيط، عبر زيادة المساحات الخضراء، وتطوير الواجهات البحرية، وإنشاء حدائق نوعية ومراكز ثقافية ورياضية داخل الأحياء السكنية، بما يعزز الترابط المجتمعي ويمنح المزيد من الحيوية.

كما أن الاستثمار في التقنيات الذكية، كالإضاءة الموفرة للطاقة وأنظمة إدارة المرور والخدمات الرقمية، يرفع كفاءة الإدارة الحضرية ويعزز الشفافية ورضا السكان والزوار.

إن التحدي الحقيقي يتمثل في صياغة حداثة مسقط الخاصة؛ حداثة تحترم طبوغرافية المكان، وتحافظ على هويته المعمارية، وتستلهم من البحر والجبال روح التوازن والسكينة. فليست الغاية أن تصبح نسخة من مدينة أخرى، بل أن تظل مسقط… مسقط.

إنها مدينة وارفة الظلال، بالغة الجمال. وإذا تكاملت الإرادة مع التخطيط الرشيد، ستغدو نموذجاً حضرياً متفرّداً يجمع بين رصانة الماضي وإشراقة الغد.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*