مقال | هرمز.. عندما تتكلم الجغرافيا وتصغي الدبلوماسية

د. قاسم بن محمد الصالحي |

ثمة لحظات في التاريخ تتحول فيها الجغرافيا من قدرٍ صامت إلى فاعلٍ سياسي يفرض منطقه على الجميع. ومضيق هرمز هو أحد تلك المواضع النادرة التي لا يمكن النظر إليها بوصفها شريطاً مائياً تعبره السفن، بل باعتبارها نقطة التقاء بين السياسة والقانون، وبين القوة والدبلوماسية، وبين المصالح الوطنية والاستقرار الدولي.

في خضم التصعيد الراهن، يتضح أن الصراع لم يعد يدور حول من يملك المضيق، بل حول من يملك حق تعريف أمنه. فالخطاب الأمريكي ينطلق من أن حرية الملاحة مصلحة عالمية لا يجوز أن تبقى رهينة حسابات قوة إقليمية، ولذلك تُقدَّم القوة العسكرية باعتبارها الضامن الأخير لانسياب التجارة والطاقة. أما إيران، فترى أن الجغرافيا ليست مجرد موقع على الخريطة، بل مصدرٌ للسيادة، وأن أمن هرمز لا ينفصل عن أمنها الوطني، وأن أي معادلة تُبنى من دونها ستظل معادلة ناقصة وقابلة للانهيار.

غير أن التاريخ يعلمنا أن الممرات البحرية الكبرى لم تستقر يومًا بالقوة وحدها. فالقوة تستطيع أن تفتح ممراً، لكنها لا تستطيع أن تمنحه الطمأنينة، وتؤمن عبوره، وتبني الثقة التي تحتاجها التجارة العالمية. هنا تحديدًا تتجلى قيمة الدبلوماسية، لا باعتبارها ترفاً سياسيًا، بل باعتبارها ضرورة استراتيجية.

ومن هذه الزاوية تبرز سلطنة عُمان، ليس لأنها تشارك إيران الإشراف الجغرافي على المضيق، بل لأنها اختارت منذ عقود أن تجعل من الجغرافيا مساحةً للحوار لا ساحةً للمواجهة. فالفلسفة العُمانية لم تقم يومًا على سؤال: من يسيطر على هرمز؟. بل على سؤال أكثر حكمة: كيف يبقى هرمز آمنًا للجميع؟.

إنها مقاربة تنطلق من أن القانون الدولي ليس قيداً على الدول، بل ضمانة لها، وأن حرية الملاحة ليست امتيازًا تمنحه قوة عظمى، ولا ورقة ضغط تحتكرها دولة إقليمية، وإنما حق جماعي ومسؤولية مشتركة. ولهذا لم تسعَ مسقط إلى الانضمام إلى محاور الصراع، بل عملت باستمرار على بناء الجسور بين المتخاصمين، وإبقاء قنوات الاتصال مفتوحة حين كانت لغة السلاح تطغى على كل شيء.

ولعل ما تكشفه الأزمة الحالية هو أن العالم يقف أمام مفترق طرق: إما أن تتحول الممرات البحرية إلى ميادين صراع مفتوح، تُدار بمنطق الردع المتبادل، وإما أن تصبح منطلقاً لإعادة صياغة منظومة أمنية إقليمية أكثر توازناً، يكون القانون فيها فوق القوة، والشراكة فوق الإقصاء، والتوافق فوق الغلبة.

في نهاية المطاف، قد تستطيع السفن الحربية أن تعبر المضيق، لكن الذي يضمن بقاءه مفتوحاً هو الثقة، لا المدافع. وقد تستطيع القوة أن تفرض واقعاً مؤقتاً، لكنها لا تصنع سلاماً دائماً. أما الدبلوماسية، فهي وحدها القادرة على أن تجعل من الجغرافيا جسراً للتواصل، لا خطًا للفصل، وأن تحول هرمز من عنوان للأزمات إلى نموذجٍ للتوازن.

وربما في ذلك تكمن الرسالة العُمانية الأعمق: أن المكان الذي تتقاطع فيه المصالح الكبرى، يحتاج إلى حكمة أكبر من القوة، وإلى سياسة ترى في الحوار استثماراً للمستقبل، لا تنازلاً عن المواقف. فحين تتكلم الجغرافيا بلغة الصراع، تبقى الدبلوماسية هي اللغة الوحيدة التي يفهمها السلام.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*