مقال| حين يتكلم الهدوء.. تعود الطرق إلى مسقط

د. قاسم بن محمد الصالحي|

في عالمٍ يعلو فيه الضجيج حتى يكاد يُربك البوصلة، اختارت سلطنة عُمان أن تبني سياستها على نقيض ذلك تماماً: هدوءٌ لا يعني الغياب، واتزانٌ لا يُفهم ضعفًا. لم تسعَ يوماً إلى تصدّر المشهد، لكنها كانت حاضرة دائماً في لحظاته الأكثر حساسية، حيث تُصاغ النهايات لا العناوين.

القوة العُمانية ليست في رفع السقف، بل في ضبطه. ليست في مجاراة الانفعال، بل في امتصاصه. ولهذا، حين تتعقّد الملفات وتتشابك المصالح -كما هو الحال في محيط مضيق هرمز- لا يُبحث عن أكثر الأطراف صخباً، بل عن أكثرها قدرة على الإنصات. هناك، تتقدم مسقط بهدوئها المعروف، لا لتفرض حلولاً، بل لتجعلها ممكنة.

لقد أثبتت التجربة أن الأزمات لا تُحلّ بالاندفاع، بل بإدارة دقيقة للمسافات بين الأطراف. وبينما تتباعد المواقف بين الولايات المتحدة وإيران، أو غيرهما من الفاعلين، تظل عُمان تمسك بخيط التواصل الذي يمنع الانقطاع الكامل. هذا الخيط، وإن بدا رفيعاً، هو ما يحول دون السقوط في فراغ المواجهة.

“الرجوع إلى مسقط” لم يعد تعبيراً مجازياً، بل سلوكاً سياسياً يتكرر كلما ضاقت الخيارات. فالدول قد تختلف في العلن، لكنها حين تبحث عن مخرجٍ آمن، تميل إلى المساحات التي لا تُحرج أحداً ولا تُقصي أحداً. وهذه بالضبط هي القيمة التي راكمتها عُمان عبر عقود: أن تكون المكان الذي يمكن للجميع أن يلتقوا فيه دون أن يخسروا مواقعهم.

في النهاية، لا تُقاس مكانة الدول بحجم حضورها الإعلامي، بل بقدرتها على أن تكون ضرورية حين تتعطل الحلول. وعُمان، بهدوئها الذي يُجبر الآخرين على مراجعته، تبرهن مرة بعد أخرى أن الاتزان ليس خياراً أخلاقياً فحسب، بل استراتيجية بقاء.. وطريق عودة حين تتعب الطرق.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*