يكتبه: د. قاسم بن محمد الصالحي|
في الاقتصاد، كما في الحياة، ليست كل وصفة تصلح لكل مريض، ولا كل دواء يناسب كل جسد. وصندوق النقد الدولي، بما يحمله من توصيات، لا ينظر إلى الوجوه والأحلام، بل إلى الأرقام ومؤشرات النمو. وحين تطرق نصائحه أبواب الدول، قد تفتح أمامها أبواب الإصلاح، لكنها أحياناً تترك خلفها ظلالاً من البطالة وتباطؤ فرص العمل.
عُمان، وهي تزن خطواتها، لم تُسلم زمامها لبرنامج قروض مشروط، لكنها لم تدِر ظهرها للمشورة. سمعت دعوة الصندوق إلى تنويع الاقتصاد، وضبط النفقات، وتمكين القطاع الخاص، لكنها وضعت هذه الدعوات في ميزان أوسع، ميزان الوطن، حيث تُقاس القرارات بمدى صونها لكرامة المواطن وأمنه الاجتماعي.
أزمة الشغل هنا ليست وليدة لحظة، بل هي تراكمات سوق يبحث عن توازن بين مخرجات التعليم واحتياجات الاستثمار، بين ثقافة الوظيفة الحكومية وجاذبية القطاع الخاص. والتحدي الحقيقي ليس في إيجاد وظيفة اليوم فقط، بل في بناء اقتصاد قادر على أن يخلق الوظائف للغد وبعد الغد، من دون أن ينهك الدولة أو يرهق المواطن.
ولذلك، فإن الجهات التنفيذية تتحمل اليوم مسؤولية مفصلية في تحويل طموحات رؤية عُمان 2040 إلى واقع ملموس، من خلال خطط عمل دقيقة، وقياسات أداء شفافة، وشراكات أوسع مع القطاع الخاص، وتطوير بيئة الاستثمار بما يفتح أبواباً أرحب أمام الشباب.
وقد قال جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم، حفظه الله ورعاه، في خطاب العرش لعام 2022: “إننا نضع تمكين الشباب العُماني في صميم أهدافنا، فهم عماد الحاضر وأمل المستقبل، ولن ندّخر جهدا في توفير الفرص لهم ليكونوا شركاء فاعلين في مسيرة التنمية”.
كما أكد – أعزه الله – في مناسبة أخرى: “إن تطبيق رؤية عُمان 2040 يتطلب تكاتف جميع الجهات الحكومية والخاصة، ومضاعفة الجهود لتجاوز التحديات وتحقيق المستهدفات”.
عُمان، برؤيتها الطموحة، تمضي في درب الإصلاح بخطى محسوبة، مدركة أن التنمية ليست سباقاً في زمن قصير، بل رحلة طويلة تحتاج إلى صبر ووعي وإرادة. هي تعرف أن ما يصلح للأسواق العالمية لا بد أن يمر عبر غربال القيم المحلية، وأن الإنسان، قبل أن يكون رقماً في قوائم التشغيل، هو قلب الوطن وروحه النابضة.
وإلى الجهات التنفيذية نقول: إنكم اليوم صُنّاع الفارق وحَمَلة الأمانة، وأنتم خط الدفاع الأول عن أحلام شباب هذا الوطن. اجعلوا كل قرار نافذة للأمل، وكل مشروع جسراً نحو الغد، وكل فرصة عمل قصة نجاح جديدة. فالرؤية ليست حبراً على ورق، بل روحاً تنبض في حياة الناس، ومسؤولية أن تُترجم الطموحات إلى واقع، وأن يبقى هذا الوطن كريماً بأبنائه، غنياً بفرصه، وفيّاً لوعوده.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة