مقال | حين يختلّ الميزان وتُخذل الأرض

د. قاسم بن محمد الصالحي|

ليست الطبيعة كائناً صامتاً كما نظن، بل نظام دقيق من التوازنات التي لا تُرى، لكنها تُحسّ في نتائجها. في السماء، طبقة تحفظ الأرض من الإشعاع، فإذا خُلخلت، انكشف الجسد لضوءٍ جارح. وعلى الأرض، تلتقي المياه بحدودٍ غير مرئية، تحفظ لكلٍّ خصائصه، فإذا اعتُدي عليها، طغى المالح وفسدت التربة.

هكذا تعمل السنن: لا صخب في البداية، بل اختلالٌ صامت.. ثم أثرٌ لا يمكن تجاهله.

ومع اقتراب موسم الخريف في ظفار، حيث تتزين عُمان بأبهى حللها، وتتحول الجبال إلى لوحات خضراء تستدعي الزائر قبل المقيم، يتجدد سؤال المسؤولية: هل نحسن استقبال الجمال، أم نُسيء إليه باسم الترفيه؟.

ما نشهده في بعض المواقع السياحية والسواحل ليس مجرد ممارسات عابرة، بل مؤشرات خلل: عبث بالتربة، رمي للنفايات، دهسٌ للمساحات الخضراء، وتوسع عشوائي يلتهم الشاطئ بصمت. إنها أفعال صغيرة في ظاهرها، لكنها في ميزان الطبيعة تُشبه ثقبًا في درع، أو خرقًا في برزخ.

فالطبيعة لا تنهار دفعة واحدة، بل تتآكل تدريجياً.. وكل تجاوز غير محسوب هو خطوة نحو فقدان ذلك التوازن الذي لم نصنعه، لكننا نملك القدرة على هدمه.

إن السياحة ليست استهلاكاً للمكان، بل علاقة معه. علاقة تقوم على الاحترام، لا الاستنزاف؛ وعلى الوعي، لا العشوائية. فالأرض التي نعبرها اليوم، هي إرثٌ نحمله للأجيال، لا مساحة نستهلكها ثم نغادر.

ولعل أخطر ما في الأمر، أن الخلل حين يعتاد، يتحول إلى سلوك.. وحين يتحول إلى سلوك، يصبح من الصعب استدراكه.

لهذا، فإن مسؤولية الحفاظ على طبيعتنا العمانية، ليست مهمة جهة بعينها، بل وعيٌ جمعي يبدأ من الفرد، ويتعزز بالمجتمع، وتؤطره السياسات. فكما أن للطبيعة سنناً لا تتبدل، فإن للإهمال نتائج لا تتأخر.

في الخريف، لا تزدهر الأرض وحدها.. بل يُختبر الإنسان أيضًا: هل يكون جزءًا من الجمال، أم سببًا في انكساره؟.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*