يكتبه: د. ناصر بن علي الجهوري|
قيادة السيارة لمسافات طويلة، كالسفر عبر شارع السلطان سعيد بن تيمور إلى محافظة ظفار، ليست مجرّد انتقال من نقطة إلى أخرى، بل هي تجربة متكاملة، تنكشف فيها شخصية السائق، وتتجلّى مهاراته، وتُختبر فيها يقظته ووعيه. فعندما تمتدّ الطرق وتتعاقب المنعطفات وتتكرّر المشاهد، تتحوّل الرحلة إلى مرآة لثقافة القيادة الواعية، وميدان لصبر النفس، ومدرسة للسلوك الحضاري المسؤول.
وكما يُقال: “من استعدَّ سلِم، ومن تهاون ندم”. فالرحلة الطويلة تبدأ قبل تشغيل المحرك؛ تبدأ من العناية بالتفاصيل الصغيرة التي تُحدث الفارق الكبير: فحص ضغط الإطارات، التأكّد من سلامة المكابح، التحقّق من زيت المحرك ونظام التبريد والإنارة، وضمان وجود أدوات الطوارئ، من العجلة الاحتياطية إلى حقيبة الإسعافات الأولية ومطفأة الحريق والمياه. هذه ليست إجراءات روتينية، بل مفاتيح سلامة وطمأنينة على الطريق.
أما السائق، فهو مركز القيادة، والركن الأساس في معادلة الأمان. عليه أن يستعدّ بدنياً وذهنياً، ينال قسطًا كافياً من الراحة، ويتجنب الإرهاق والانفعال. فالعين المجهدة تُخطيء التفاصيل، والعقل المنهك يضعف في لحظات الحسم. كثيرون ارتكبوا أخطاء فادحة لم تكن بسبب ضعف المهارة، بل بسبب تراجع التركيز في لحظة عابرة.
الطريق ليس ملكاً لأحد، بل مساحة تشاركية تتحرك فيها الحياة. وأخلاقيات القيادة تتجلّى حين نُحسن مشاركة الطريق، ونحترم الآخر، ونلتزم بالسرعة المحددة، ونتجنب التجاوز الخاطئ، ونحرص على مسافة الأمان، وإفساح الطريق للآخرين قدر المستطاع، ونستخدم الإشارات بذكاء ولباقة، وننبّه غيرنا إلى ما قد يخفى عليه من معوقات أو أخطار. ليس هذا مجرد قانون مروري، بل هو انعكاس لقيمنا وسلوكنا الداخلي.
ومن الحكمة أن يخصّص السائق وقفات منتظمة كل ثلاث ساعات تقريبًا، فهي استراحة للجسد واستعادة لتركيز العقل، وتساهم في الوقاية مما يُعرف بإرهاق السائق، وهو عامل خفيّ خلف العديد من الحوادث التي تُحكى في صمت.
ولأن المسافة الطويلة تُكرّر المشهد وتُجهد الذهن، يُستحسن تنويع ما يُستمع إليه: تلاوة هادئة للقرآن الكريم، أو حوار ماتع مع الرفاق، أو بودكاست يفتح أفقًا. هذا التنويع يُنشّط الذهن دون أن يُشتّته، ويُضفي على الرحلة طابعًا معرفياً أو وجدانياً ممتعاً. والتخطيط لتقسيم الرحلة إلى مراحل، بل وتبادل القيادة بين شخصين متى توفّر ذلك.
الحوادث في الطرق الطويلة، وإن اختلفت أسبابها، كثيراً ما تعود إلى عناصر بسيطة تمّ تجاهلها: تجاوز متهور، سرعة زائدة، نعاس في غير وقته، انشغال بلحظة سهو، أو استهانة بإرشادات الطريق، أو إرهاق ذهني. وكل حادث لا يُختزل في أسبابه التقنية فقط، بل يروي قصة ألم إنساني قد لا تمحوه السنوات.
في محافظة ظفار، يتماهى الجمال مع التضاريس؛ تتبدّى الطبيعة في أبهى حلّتها، وتدعو المسافر إلى التمهّل والتأمل. لكن هذا الجمال قد يُخفي تحديات حقيقية: ضباب كثيف، منحدرات متعرّجة، عبور الإبل والأبقار والماعز، وتقلّبات الطقس. كلها تتطلب حذرًا مضاعفًا ويقظة لا تكلّ. ومن الحكمة تجنّب القيادة الليلية ما أمكن، ومشاركة الموقع مع الأقارب، خاصة في المناطق النائية.
وإن من مكارم القيادة أن نُدرك أنّ قيادة السيارة لمسافات طويلة ليست مجرّد مهارة تقنية، بل هي تمرين على المسؤولية، وممارسة للقيم، وتجلٍّ لروح حضارية راقية. هي خبرة تراكمية تُبنى على التجربة والانتباه، وتتعمّق بالتأمل في كل رحلة.
لنعبر الطرق بحكمة، ونترك خلفنا أثراً آمناً، لا حُزناً في ذاكرة أحد. فكل عودة سالمة نصرٌ لا يُقدّر بثمن، وكل رحلة بلا حوادث إنجاز في حد ذاته، يدلّ على وعيٍ وضميرٍ ورفعة سلوك. اللهم اجعل لمرتادي الطرق في السفر صُحبة، وفي العودة سلامة، واجعل طرق بلادنا الحبيبة سلطنة عُمان كلَّها أمناً وأماناً.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة