د. ناصر بن علي الجهوري|
اعتادت الدول أن تتنافس فيما تملكه من مقومات طبيعية ومناخية تجذب السياح، غير أن التفكير التنموي الحديث لم يعد يقتصر على استثمار المزايا التقليدية، بل أصبح يبحث عن الفرص الكامنة في التحديات ذاتها، ويحوّل ما يراه البعض عائقاً إلى قيمة اقتصادية ومعرفية مضافة.
من هذا المنطلق يبرز سؤال: هل يمكن لسلطنة عُمان أن تستثمر الأيام شديدة الحرارة التي تصل في بعض مناطقها إلى نحو خمسين درجة مئوية بوصفها عنصر جذب سياحي نوعي؟.
قد يبدو السؤال غير مألوف، لكن التجارب العالمية تؤكد أن الوجهات السياحية الناجحة قامت على ظواهر طبيعية استثنائية. فالسياح يتوافدون إلى المناطق القطبية لمشاهدة الشفق القطبي، كما تحولت مناطق شديدة الحرارة والجفاف، مثل صحراء أتاكاما، إلى وجهات يقصدها المهتمون بالظواهر الطبيعية والجيولوجية الفريدة.
وتزداد أهمية هذه الفكرة إذا ما نظرنا إلى المناطق التي يمر بها مدار السرطان، بوصفها من أكثر مناطق العالم تعرضاً للإشعاع الشمسي ودرجات الحرارة المرتفعة. ويمر هذا المدار داخل سلطنة عُمان عند دائرة عرض تقارب (23°26′ شمالاً) عبر عدد من الولايات من الشرق (قريات) إلى الغرب (عبري)، ما يمنحها ميزة جغرافية يمكن توظيفها ضمن مشروع سياحي وعلمي متكامل.
ومن هنا تبرز أهمية إعداد ونشر قائمة وطنية للمواقع التي يمر بها مدار السرطان، مدعومة بإحداثيات معتمدة، بما يسهم في تحويل هذا المعلم الجغرافي إلى مورد وطني ذي قيمة. كما يمكن تطوير مفهوم “مسار مدار السرطان” ليصبح نقطة جذب للزوار والباحثين والمهتمين.
ولا تتمثل الفكرة في تعريض الزوار للحرارة المرتفعة، بل في تصميم تجربة آمنة تجمع بين المعرفة والترفيه. ويمكن أن تشمل هذه التجربة مراكز تفاعلية تشرح خصائص المناخ الصحراوي، وتوثق قدرة الإنسان العُماني عبر التاريخ على التكيف مع البيئات الحارة من خلال العمارة وأنظمة المياه وأساليب الحياة.
كما يمكن توظيف التقنيات والعروض الرقمية في مرصد مناخي تفاعلي لتمكين الزوار من استكشاف الظواهر المناخية ومقارنة مؤشرات الحرارة والإشعاع الشمسي بمناطق مختلفة حول العالم.
ويزداد أثر هذه المبادرات عندما ترتبط بقطاع الطاقة المتجددة، في ظل ما تمتلكه سلطنة عُمان من إمكانات في مجالات الطاقة الشمسية والهيدروجين الأخضر، بما يحول قصة الحرارة إلى نموذج تنموي يجمع بين السياحة والبحث العلمي والاقتصاد الأخضر.
وعلى الصعيد الاقتصادي، يمكن لهذه المبادرات أن تسهم في تنويع المنتج السياحي، وفتح مجالات استثمارية جديدة، إلى جانب توفير فرص لتوظيف الشباب، بما ينسجم مع مستهدفات رؤية عُمان 2040 في التنويع الاقتصادي وتعزيز الاقتصاد القائم على المعرفة والابتكار.
تكمن قيمة هذه الفكرة في القدرة على إعادة تعريف الحرارة وتقديمها ضمن تجربة إنسانية وعلمية مبتكرة. فالتنمية الحديثة تُقاس بقدرة الدول على اكتشاف الإمكانات الكامنة فيها وإعادة توظيفها بصورة خلاقة.
ولعل المستقبل يحمل فرصة لأن تتحول بعض مناطق سلطنة عُمان إلى وجهة عالمية يقصدها الزوار لاكتشاف المناخ وفهمه والتعلم منه. وعندها لن تكون الحرارة مجرد تحدٍ طبيعي، بل قصة نجاح تنموية تؤكد أن الابتكار يبدأ أحياناً من إعادة النظر إلى ما اعتدنا اعتباره مشكلة، لنكتشف أنه قد يكون إحدى أهم الفرص.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة