يكتبه: د. ناصر بن علي الجهوري|
في ظل التنافس العالمي المتصاعد لاستقطاب السائحين، تبرز سلطنة عُمان كوجهة سياحية واعدة، تحمل رؤية استراتيجية تهدف إلى تسليط الضوء على مقوماتها الطبيعية الخلابة وتراثها الثقافي العريق. وتتميز السلطنة بثراء بيئي متنوع يمتد من الجبال الشاهقة والصحاري الواسعة إلى السواحل البحرية الخلابة، إضافة إلى حضارتها الممتدة عبر آلاف السنين.
ومن بين أبرز هذه المقومات التي تجعل تجربة زيارة عُمان فريدة ومتميزة، سهولة الاندماج الاجتماعي التي تشكل جزءا متجذرا من الشخصية العُمانية، وتعبر عن ركيزة أساسية من ركائز القوة الناعمة لسلطنة عُمان، والتي تستحق استثماراً استراتيجياً دقيقاً يُسهم في تعزيز مكانتها في السوق السياحي العالمي ويُعزز من تنافسيتها في جذب السياح الباحثين عن تجارب أصيلة.
فرص اقتصادية تتطلب المزيد من الاستثمار
وفقاً لبيانات وزارة التراث والسياحة، بلغ إجمالي إيرادات القطاع السياحي في عام 2023م نحو (1.9) مليار ريال عُماني، غير أن هذه البيانات لا تتضمن – حسب المتاح – تفصيلًا دقيقًا يوضح نسبة مساهمة السياحة المجتمعية. وبالرغم من ذلك، تُعد هذه المؤشرات دلالة واضحة على تحسن جاذبية السلطنة كوجهة سياحية متميزة، وتُبرز في الوقت ذاته وجود فرص استثمارية واعدة في مجالات السياحة النوعية، وعلى رأسها السياحة المجتمعية، التي تستند إلى التفاعل مع البيئة المحلية والموارد الثقافية الأصيلة. ويفتح هذا المجال آفاقًا رحبة أمام أنماط سياحية متخصصة، مثل:
(1) السياحة الثقافية التراثية: تُعد من أبرز مجالات السياحة النوعية التي يمكن استثمارها في سلطنة عُمان، إذ تتيح فرصة التفاعل المباشر مع عناصر التراث العُماني العريق، والذي أُدرج عددٌ من معالمه ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو، مثل طريق اللبان التاريخي، وأنظمة الأفلاج التقليدية، والحصون والقلاع، والأسوار والأسواق القديمة. وتُسهم هذه المكونات في إبراز الهوية الحضارية لسلطنة عُمان، وتعريف الزوار بعراقتها الثقافية وثرائها الرمزي، من خلال الزيارات الميدانية والعروض الحية والمهرجانات الشعبية. كما تفتح هذه النمطية السياحية الباب أمام تنمية الصناعات الحرفية المرتبطة بالتراث، وتوفير فرص عمل محلية، وجذب المهتمين بالثقافات الأصيلة والتاريخ العميق من مختلف أنحاء العالم.
(2) السياحة الريفية التجريبية: تمثل نمطًا متجددًا من السياحة يقوم على اندماج السائح في الحياة اليومية للمجتمعات المحلية، بما في ذلك المشاركة في الأنشطة الزراعية التقليدية ومواسم الحصاد. وتتيح سلطنة عُمان تجارب مميزة في هذا السياق، مثل جني التمور وتبسيلها في محافظتي الداخلية والشرقية، وقطف الرمان والورد الجبلي في الجبل الأخضر، وجني العنب في شمال الشرقية. كما تشمل التجارب الزراعية التفاعل مع محاصيل تقليدية مثل البسور، والليمون العُماني، والحنّاء، والنباتات الطبية والعطرية.
ومن التجارب الفريدة أيضا رعي الإبل في سهول محافظة ظفار بعد موسم الخريف، حيث يمكن للسائح أن يرافق الرعاة ويتعرّف على نمط حياتهم البدوي، في إطار يجمع بين التقاليد البيئية والضيافة العُمانية الأصيلة، ويُقدّم تجربة وجدانية وإنسانية لا تُنسى.
مثل هذه الأنشطة يمكنها أن تسهم في تنشيط الاقتصاد المحلي، وفتح المجال أمام الشباب لفرص ريادة الأعمال، وابتكار منتجات سياحية جديدة، وإقامة مشاريع تعتمد على التراث الطبيعي والمهارات التقليدية، ضمن توجهات الاستدامة والمشاركة المجتمعية.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة