يكتبه: د. قاسم بن محمد الصالحي|
لو شاء الله، لجعل الناس أمةً واحدة، لكنه شاء أن تُنبت الأرض أعراقا شتّى، ولهجاتٍ مختلفة، وملامح تتوزع على تضاريس الجغرافيا كما تتوزع السحب في سماء خريف ظفار.. في قوله تعالى: “وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا”، يتجلّى سرُّ الحياة، لا في تماثل الوجوه، بل في تنوّعها؛ لا في تشابه الخطى، بل في تلاقيها حيث ترتفع القلوب فوق الانتماءات الضيقة.
وفي خريف ظفار، حيث تنزل السماء إلى الأرض، وتلبس الجبالُ خُضرتَها، يهرع الناس من كل فجٍّ عميق، لا طلبا للبرد والضباب فحسب، بل شوقا إلى مكانٍ يفتح ذراعيه للناس كما تفتح الآية قلبها للتعارف.
هنا، لا تُسأل عن نسبك، ولا تُفتَّش عن لهجتك، ولا تُوزن بحسب ما تملك، بل تُقاس بمقدار ما تُبقي من أثرٍ حسن في الطريق، ومن ابتسامة في سوق الحافة، ومن احترامٍ لحرمة الضيف والمضيف.
ظفار في خريفها ليست موسما سياحيا فقط؛ إنها تجسيد حيّ لبلاغة قرآنية، تقول لنا كل عام: “هكذا يكون التنوع نعمة، لا نقمة، وهكذا يكون التعارف غاية لا وسيلة، وبهذا تُقاس الشعوب لا بأعدادها، بل بأخلاقها حين يلتقي الغريب بالمألوف، والسائح بالمكان”.
خريف ظفار ليس مجرد طقس.. إنه مهرجان فطري تفيض فيه الأرض بماء الحياة، ويفيض فيه الإنسان بما بقي له من إنسانيته.. إنه صلاة الطبيعة على الوحدة.. وآية تمشي على قدمين، تقول لكل زائر: “مرحبا بك من حيث أتيت، فلقد جئتنا على قدرٍ، وحللتَ في مكانٍ، وكأن شاعر الأندلس أبو رجال بن غلبون قد أحسّ بخريف عمان قبل أن يولد الزائر إليه، حين قال متغزلا بالشامية:
أستودع الله أو رضاه …. شامية تستبي يماني
وإن رمت بي النوى عُمانا ….. تكن لي زاد إلى عُمان
فها هو الزائر اليوم، وإن فرقته النوى، يجد في عُمان سُلوى القلب، وزاد الروح، ومعنى التعارف الذي ذكره الله، حيث تمتد القلوب على اتساع الجبال والسحاب.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة