مقال| منظومة الإقتصاد السياحي

يكتبه: يعقوب بن يوسف البلوشي |

يعد تحويل كل ما من شأنه تشكيل قيمة إقتصادية إلى منظومة مالية هو ذكاء إقتصادي وينم عن وعي متقدم في إدارة الأصول، فالصورة الذهنية الأولى لكل شيء هي من يحدد قيمتهُ الإقتصادية، ويعكس مدى إلمام الناظر واتساع مداركه في تقييم الأشياء من حوله، والبعض الآخر يقوم بصنع وبناء الأشياء من حوله ليمنحها قيمة إقتصاد حيثما تملي عليه رؤيته الإقتصادية المستقبلية.

ولو نظرنا بواقعية أكثر حول ما نملك لوجدنا إننا بددنا أكثر من 30 سنة من قيمة الأشياء ذهبت مع الوقت من دون قدرتنا على التعويض الزمني للقيمة الاقتصادية، ولو أخذنا مثال القلاع والحصون في السلطنة فهي تشكل قيمة إقتصادية كبيرة ولكنها مهدرة من دون استغلال أمثل ولم يتم وضعها في قالب الاستفادة المالية، فالقيمة الاقتصادية للقلاع والحصون تتمثل في عدة أبعاد، أهمها فن العمارة التي بُنيت بها تمثلت في دمج العمارة الإسلامية والعمانية فالممرات الضيقة وفتحات سكب العسل الساخن وغرف الحبس الضيقة وطريقة البناء بالجص وارتفاع زوايا السقف، وممرات الهروب وأروقة الدفاع في حالة تم الاعتداء، وطريقة تصميم الباب، والنقوش التي ترسم على الأبواب وآلية دخول الضيف مطأطأً رأسه، ومجلس الإمام أو الشيخ، وتفاصيل نسوة القلعة وطريقة معيشتهم في أروقة القلعة، وعملية تشحيم المدافع ومواقع وضعها، وطريقة استخدامها، وأهمية الأبراج وطرق حفظ الأغذية في غرف التخزين، ومقاسات جدران القلعة حسب متانة الأعراف الهندسية آنذاك وقصص الأئمه وتداولهم للتحديات مع من حولهم من الأنس والجن وغيرها الكثير من القيمة المعنوية للأشياء والتفاصيل في القلعة الواحدة.

ومن عظمة تلك القلاع والحصون أصبحنا نشكك بأنها من عمل الإنسان ونعتقد أنها من صنيع الجن المملوكين للأئمة، وذلك بسبب القيمة الفنية الكبيرة في البناء والتشييد المفصّل، لدرجة أن انحناءة في أحد ابراج القلعة تحاك حوله القصص ويوفر بيئة خصبة للخيال والعودة إلى ذلك الزمان من تداعيات الشد والجذب بين الناس والإمام والجن، كل هذه التفاصيل والتاريخ نقدمه نحن بثمن بخس جداً للسائح وهو ما مقداره ريال واحد وهو رسم دخول لهذه التفاصيل والتاريخ والحضارة، وفي حقيقة الأمر هذا يعد خللاً في منح الأشياء قيمتها الحقيقية وعدم المعرفة بخلق منظومة اقتصادية للأشياء وطريقة استغلالها وتسويقها بشكل جيد فكيف لو أدركنا أن سلطنة عُمان تملك أكثر من 500 قلعة وحصن مهدرة اقتصادياً !!. 

ولو طرحنا مثال حريق لندن وكيف تم تسويقه وإعطاه قيمة معنوية ومالية وعمل محاكاة له في متحف مدام توسو وبالتالي يأتي السائح يدفع مبلغا مجزياً ليرى حريقاً حدث قبل 300 سنة مضت!!.
لذلك علينا أن نتعلم كيف نمنح الأشياء التي لدينا قيمة مستحقة حتى يتم ترجمتها لمنظومة اقتصادية بشكل سليم.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*