مقال| من إدارة الواقع إلى ذكاء الإدارة

د. قاسم بن محمد الصالحي |

في التوجيهات السامية لحضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم، حفظه الله ورعاه، التي خرج بها مجلس الوزراء، الثلاثاء، ما يتجاوز حدود القرارات الإدارية إلى رؤية أعمق لكيفية إدارة المرحلة المقبلة؛ مرحلة تتطلب أن تكون الدولة أكثر مرونة في أدواتها، وأقرب إلى مجتمعها، وأسرع في التقاط ما يطرأ على حياة الناس وأسواقهم ومؤسساتهم.

فإقرار البرنامج الوطني لتعزيز بيئة الأعمال الجاذبة للاستثمار، بما يتضمنه من تعزيز التنافسية وتجويد الخدمات للمواطنين والمقيمين والمستثمرين، يأتي في وقت لم تعد فيه بيئة الأعمال تقاس بعدد الأنظمة والإجراءات، وإنما بقدرتها على الاستجابة للحاجات المتغيرة، وحل التعقيدات، وتحويل التحديات إلى فرص. وهذه هي مرونة الإدارة التي تحتاجها المرحلة: أن تنظم دون أن تخنق، وأن تضبط دون أن تعطل، وأن تعالج أصل المشكلة لا مظهرها وحده.

وفي السياق ذاته، فإن التوجيه السامي بإجراء تقييم شامل لاختصاصات المجالس البلدية وأدوارها وتكامل عملها مع المحافظين يحمل دلالة مهمة على أن التنمية لا تُدار من مركز واحد، وأن المجتمع ليس متلقياً للقرار فحسب، بل شريك فيه. فالمجلس البلدي، واللجان، والمحافظة، والجهات الحكومية، والمواطن، ينبغي أن تشكل حلقات متصلة؛ يسمع بعضها بعضاً، وتتكامل أدوارها، وتُقاس نتائجها بما يتحقق على الأرض.

ولعل التأكيد السامي على المشاركة الفاعلة لفئات المجتمع وحسن الاختيار في انتخابات المجالس البلدية يضع المسؤولية في جهتين معًا: مسؤولية المؤسسات في أن تفتح المجال للمشاركة الحقيقية، ومسؤولية المجتمع في أن يختار من يملك المعرفة والحس العام والقدرة على خدمة المصلحة المحلية.

وهنا تتصل التوجيهات بما نسمعه في مجالسنا وأسواقنا من نقاش حول العمل، والعمالة، والقوة الشرائية، والخدمات، وأداء المؤسسات. فليس كل ما يقوله الناس إشاعة، وليس كل انطباع حقيقة مكتملة؛ وبينهما مساحة ينبغي أن تملأها البيانات، والحوار، والإنصات، والتقييم المستقل.

إن الإدارة الذكية ليست التي لا تخطئ، وإنما التي تكتشف الخطأ مبكرًا، وتراجع أدواتها، وتستفيد من صوت المجتمع قبل أن يتحول التحدي الصغير إلى مشكلة كبيرة.

وهكذا تبدو التوجيهات السامية اليوم أقرب إلى دعوة هادئة إلى إدارة أكثر تكاملًا ومرونة وشراكة: حكومة تسمع، ومؤسسات تتعلم، ومجالس تمثل، ومواطن يشارك، ومسؤولية مشتركة تجعل التنمية شأناً وطنياً لا مهمة جهاز بعينه.

فحين تتكامل هذه الحلقات، يصبح الوطن أقدر على أن يدير تغيراته بهدوء، وأن يمضي إلى المستقبل لا بثقل الإجراءات، بل بخفة الحكمة وذكاء الإدارة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*