مقال | حين تكون الرحلة قريبة

علي بن حسين البلوشي |

كاتب كويتي 

اعتدنا نحن أبناء الخليج أن ترتبط السياحة في أذهاننا بالسفر البعيد، فإذا جاء الصيف بدأنا نبحث عن أوروبا أو آسيا، ونقطع المسافات الطويلة بحثاً عن الطبيعة والجو الجميل . 

وحين نعود نتحدث عن الجبال والأنهار والغابات والغيوم، وكأن مثل هذه المشاهد لا توجد إلا خارج أوطاننا.

ولم يخطر على بال كثير منا أن منطقتنا الخليجية تختزن من الجمال ما يستحق أن نكتشفه. ففي أبها وعسير نجد الجبال والمرتفعات والضباب والأجواء الجميلة، وفي عُمان تتنوع الطبيعة بين البحر والجبل والوادي حتى نصل إلى صلالة، حيث يأخذ الجمال صورة مختلفة تماماً.

في موسم الخريف تتحول الأرض إلى لوحة طبيعية آسرة، تكسو الخضرة الجبال، وتنخفض الغيوم لتلامس رؤوسها ويتسلل الضباب بين الطرق والمرتفعات، بينما تجري المياه في الأودية والشعاب. 

تخيلوا أنكم تقفون في قلب شبه الجزيرة العربية. حيث الطبيعة الصحراوية المعتادة، وفجأة تتغير المعادلة تماماً ! تتحول الجبال الجرد إلى جِنانٍ خضراء، وتستبدل الشمس الحارقة برذاذٍ منعش وتغطي السحب قمم الجبال وكأنها تعانقها.

نحن هنا في عروس محافظة ظفار حيث الجو والغيوم سحر الموسم في الوقت الذي تسجل فيه المنطقة درجات حرارة مرتفعة، تعيش صلالة استثناءً مناخياً فريداً بين شهري يونيو وسبتمبر؛ تكون درجات حرارة معتدلة لا تتجاوز منتصف العشرينات.

الضباب والغيوم، لا ترى السماء فالغيوم تتسلق الجبال والرذاذ المستمر (المعروف محلياً بالخريف) يبلل الأرض ويلطف الجو، مما يمنحك إحساساً بأنك تسير داخل سحابة.

بل هي سلاسل منظومة من الطبيعة الحية، مشهد يجتمع فيه الماء والخضرة والجبال والضباب في صورة يصعب وصفها بالكلمات.

لكن أجمل ما في هذه الطبيعة ليس منظراً واحداً، بل الشعور الذي يرافقك وأنت تتنقل بين أرجائها، هناك تشعر أن الوقت أصبح أبطأ وأن النفس أكثر هدوءاً، يكفي أن تجلس أمام مشهد طبيعي، تستمع إلى خرير الماء وتتأمل الجبال وهي تختبئ خلف الضباب، لتبتعد قليلًا عن ضجيج الحياة.

ولعل ساعات السحر وقبيل الفجر من أجمل لحظات المكان .. حين يهدأ كل شيء ويغطي الضباب أجزاء من الجبال، ويبدأ الضوء بالتسلل تدريجياً، يشعر الإنسان وكأنه أمام مشهد لا يتكرر . 

لحظات تمنح الروح مساحة للتأمل والسكينة.

واللافت أن صلالة أصبحت مقصداً للزوار من مختلف دول الخليج وخارجها، وهو ما يدعونا إلى سؤال بسيط: لماذا كنا نبحث عن مثل هذه المشاهد في أوروبا وآسيا، ولم نلتفت بالقدر الكافي إلى ما حولنا ؟.

لا شك أن السفر إلى الخارج جميل، وزيارة البلدان المختلفة توسع مدارك الإنسان وتمنحه تجارب جديدة، لكن من الجميل أيضاً أن نكتشف أوطاننا القريبة، وأن نعطي السياحة الخليجية والعربية فرصة تستحقها.

فنحن لا نعيش في منطقة تخلو من الطبيعة؛ لدينا البحر والجبل والوادي، ولدينا مواسم تتغير فيها ملامح المكان بصورة مدهشة. وما تحتاجه هذه الأماكن هو مزيد من الاهتمام والتعريف بها، حتى نعرف قيمة ما نملك قبل أن نبحث عنه بعيداً.

صلالة تحديداً تستحق أن تكون ضمن وجهاتنا السياحية، ليس لجمال طبيعتها فحسب، بل لأنها تمنح الزائر تجربة مختلفة، تلتقي فيها الطبيعة بالهدوء، ويجد الإنسان فرصة للابتعاد عن صخب الحياة.

قد نقطع آلاف الكيلومترات بحثاً عن الراحة، ثم نكتشف أن الراحة لا تحتاج دائماً إلى مسافة طويلة، وقد نبحث عن الغيوم والخضرة والماء في بلدان بعيدة، ثم نجدها في أرض خليجية قريبة .

وهنا تكمن المفارقة الجميلة: نحن لا نفتقد الجمال، وإنما نحتاج أحيانًا إلى أن نلتفت إليه.

صلالة ليست مجرد مدينة نزورها في موسم الخريف، بل تجربة تذكرنا بأن الجمال قد يكون أقرب مما نظن، وأن بلادنا العربية والخليجية تحمل من الكنوز الطبيعية ما يستحق أن نكتشفه ونفخر به.

وحين يقف الإنسان في ساعة السحر وسط الضباب والخضرة ، ويسمع جريان الماء من حوله، يدرك أن بعض الرحلات لا تُقاس بعدد الكيلومترات التي قطعناها، وإنما بما تركته في نفوسنا.

صلالة جمال قريب وهدوء عميق، وذاكرة لا تُنسى.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*