مقال | عُمان حين يعلو الموج

د. قاسم بن محمد الصالحي |

ليست عُمان ممن يرفعون أصواتهم حين تعصف الريح؛ فقد تعلّمت، منذ أن كان البحر كتابها الأول، أن الموج العالي لا يُدفع بالصخب، وأن السفينة لا تنجو من العاصفة بكثرة الأوامر، وإنما بحسن تقدير اتجاه الريح، وإحكام الشراع، وثبات القلب.

ولعل في المشهد الذي يحيط بالناقلة الجانحة قبالة جزر الحلانيات درساً آخر من دروس البحر العُماني: أن مواجهة الكارثة لا تكون دائماً بالضجيج، بل بالهدوء الذي يسبق الفعل، وبالفعل الذي لا يحتاج إلى كثير من الكلام.

فما يجري هناك ليس مجرد بقعة زيت تتمدد فوق الماء، وإنما امتحان لبيئة بحرية عُمانية نادرة، ولقدرة المؤسسات والمجتمع على حماية شاطئٍ لم يكن يوماً مجرد جغرافيا، بل كان جزءاً من ذاكرة المكان وعيش أهله وموروثهم.

وفي مثل هذه الظروف، تظهر قيمة الهدوء العُماني في إدارة الأزمات. هدوءٌ لا يعني التراخي، ولا الصمت عن المسؤولية، وإنما يعني أن تُترك العاطفة جانباً حين يحتاج الميدان إلى عقل بارد، وأن تتقدم غرفة العمليات على منابر الكلام، وأن تتحول البيانات إلى فرق تعمل، والخرائط إلى خطوات، والمراقبة إلى استجابة.

الجهات المعنية في السلطنة تتحرك في مسار الاستجابة البيئية، من رصد التلوث وتقييم امتداده، إلى التعامل مع آثاره على السواحل والمناطق الحساسة، بالتنسيق بين الجهات المختصة والفرق الميدانية. وهذه الجهود، مهما بدا بعضها بعيداً عن عدسات الإعلام، هي التي تصنع الفارق الحقيقي في مثل هذه الحوادث.

ولعُمان في هذا الباب مدرسة قديمة.

فالدبلوماسية العُمانية التي عُرفت بالهدوء، وحسن الاستماع، وترك الأبواب مواربة حين تُغلق الأبواب في وجه الآخرين، ليست منفصلة عن شخصية العُماني في البر والبحر. كلاهما يتعامل مع العاصفة بالطريقة ذاتها: لا يصارعها بعناد، ولا يستسلم لها؛ وإنما يعرف كيف يعبرها.

والبحر العُماني علّم أبناءه شيئاً لا تمنحه الكتب بسهولة.

علّمهم أن الريح إذا اشتدت لا تعني أن الرحلة انتهت، وأن الموج إذا ارتفع لا يعني أن السفينة غرقت، وأن الحكمة أحياناً أن تخفف الشراع لا أن تكسره، وأن تعرف متى تمضي ومتى تنتظر.

ومن هنا، فإن دور المجتمع في هذه الأزمة لا يقل أهمية عن دور المؤسسات. الصيادون وأبناء السواحل والمتطوعون وأهل الخبرة بالبحر، كل أولئك يمتلكون معرفة لا يمكن اختزالها في أجهزة الرصد وحدها. لكن هذه المشاركة ينبغي أن تكون منظمة، تحت مظلة الجهات المختصة، حتى تتحول الحماسة إلى عمل، والعمل إلى حماية، والحضور الشعبي إلى قوة مساندة لا عبء إضافي على فرق الاستجابة.

إن تكثيف الفرق الميدانية، والاستعانة بالمتطوعين المدربين، ومتابعة السواحل، والإبلاغ المبكر عن أي تغيرات، وحماية المناطق الحساسة من العبث والتجمهر، كلها صور من صور المسؤولية الوطنية.

وفي الأزمات البيئية تحديداً، لا يكون الوطن جغرافيا فقط؛ يكون وطناً في الماء أيضاً.

والحلانيات ليست مجرد جزر بعيدة في أقصى الجنوب الشرقي؛ إنها جزء من ثروة عُمان الطبيعية، وموطن لنظم بيئية وكائنات بحرية لا تستطيع أن ترفع صوتها حين يقترب منها الخطر.

لذلك، فإن إنقاذها ليس مهمة جهة واحدة.

إنه واجب مؤسسة، وخبرة بحّار، ووعي مواطن، ويد متطوع، ومسؤول يعرف أن بعض المعارك لا تُكسب أمام الكاميرات، وإنما في ساعات طويلة من العمل الصامت.

وهنا ربما تكمن عُمان التي يعرفها العالم: بلدٌ هادئ في دبلوماسيته، صلب في أوقاته الصعبة، لا يستفز الريح ولا يخشاها، بل يعرف كيف يقرأها.

فقد عاش العُماني مع البحر حتى صار البحر جزءاً من طبعه؛ إذا هاج لم يجزع، وإذا انحسر لم يغتر، وإذا تغيرت الريح عدّل الشراع.

واليوم، فيما تواجه الحلانيات هذه المحنة، لا نحتاج إلى أن نعلو فوق صوت الموج.

يكفينا أن نصغي إليه.

فربما كان يقول لنا، كما قال لآباء البحارة وأجدادهم: شدّوا الحبال، اضبطوا الشراع، واتركوا للعاصفة وقتها.. فالذين يعرفون البحر لا ينتصرون عليه، وإنما يعرفون كيف يعبرونه.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*