د. ناصر بن علي الجهوري |
يُقاس رُقيُّ الإنسان في كثير من الأحيان بما يتركه خلفه من أثر، لا بما يستعرضه من مظاهر. فحين يغادر الزائر موقعاً سياحياً، فإن المشهد الذي يخلّفه وراءه يُعبّر عن مستوى وعيه الحضاري أكثر مما تعبّر عنه كلماته أو صوره التي ينشرها في وسائل التواصل الاجتماعي.
وقد ميّز الله تعالى محافظة ظفار بمقومات طبيعية استثنائية قلّ أن تجتمع في مكان واحد؛ من سهولٍ خضراء، وشلالات وأوديةٍ جارية، وعيونٍ مائية، وشواطئ ساحرة، وجبالٍ تحتضن السحاب. وتشكّل هذه المقومات ثروة وطنية ورافداً اقتصادياً وسياحياً مهماً وواجهة حضارية تعكس جمال عُمان وهويتها.
ومع ما تبذله الجهات المختصة من جهود في أعمال النظافة والصيانة والتوعية، وما يقدمه المتطوعون من مبادرات تستحق الإشادة، فإن بعض السلوكيات الفردية الخاطئة ما زالت تُلقي بظلالها على المشهد العام. فمشاهد المخلفات المتروكة في بعض المواقع الطبيعية لا تنسجم مع الصورة الحضارية التي يسعى الجميع إلى ترسيخها، كما تفرض أعباء إضافية على أعمال النظافة والصيانة، وتؤثر في تجربة الزوار وجاذبية المكان.
وتبرز خلال موسم الخريف بعض المشاهد التي تستدعي وقفة جادة، خصوصاً في المتنزهات الطبيعية والأودية والسهول ومواقع التخييم والاستراحات المفتوحة. فهذه المواقع تمثل متنفساً للجميع، ومن غير المقبول أن تتحول إلى أماكن تتراكم فيها المخلفات أو تتعرض مرافقها للتلف نتيجة تصرفات تفتقر إلى المسؤولية والوعي.
إن حملات التوعية، على أهميتها، لا تكفي وحدها لمعالجة هذه الظاهرة؛ فالتجارب الدولية تؤكد أن المحافظة على النظافة العامة تقوم على ثلاثة أركان متكاملة: نشر الوعي، وتوفير الخدمات والبنية المناسبة للتخلص من النفايات، وتطبيق الأنظمة والقوانين بحزم وعدالة، بما يجعل النظافة العامة مسؤولية مشتركة، ويعزز فاعلية الجهود الرامية إلى حماية البيئة والمواقع العامة.
ومن هنا، فإن المرحلة الحالية تستدعي تعزيز الإجراءات التنظيمية والرقابية في المواقع السياحية والطبيعية، وتفعيل العقوبات الرادعة والإعلان عنها بوضوح، وتكثيف الرقابة الميدانية، والاستفادة من التقنيات الحديثة في رصد التجاوزات البيئية وتوثيقها. فحماية البيئة ليست تقييداً للزوار، بل حماية لحق الجميع في الاستمتاع بمواقع نظيفة وآمنة وجميلة.
كما أن إشراك المجتمع في هذه المسؤولية يظل أمراً بالغ الأهمية؛ فالمواطن والمقيم والسائح شركاء في المحافظة على المكان، وكل فرد قادر على أن يكون جزءاً من الحل من خلال الالتزام بالسلوك الحضاري، وتوعية من حوله، والإبلاغ عن المخالفات، والمشاركة في المبادرات التطوعية الهادفة إلى تعزيز ثقافة النظافة والمحافظة على المكتسبات الوطنية.
إن الطبيعة العُمانية أمانة تتوارثها الأجيال. وما أجمل أن نُبقي سهولنا خضراء، وأوديتنا نقية، وأريافنا زاهية، ومواقعنا السياحية ناصعة الجمال كما خلقها الله، لا كما تتركها بعض التصرفات العابرة. فالنظافة مظهر حضاري ورسالة احترام، وعنوان انتماء للوطن، واستثمار مستدام في مستقبل السياحة والبيئة والإنسان. إن الوعي يصنع السلوك، والحزم يحمي المنجزات، وبهما معاً نحافظ على جمال عُمان الذي يستحق أن يبقى مصدر فخر لأبنائها وإعجاب زوارها.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة