مقال | حين تصبح الحكمة وطناً

د. قاسم بن محمد الصالحي |

ثمة أوطان تُعرَف بما تملك، وأوطان تُعرَف بما تفعل، وقليل منها يُعرَف بما لا تفعله حين يستطيع الآخرون أن يفعلوا.

وعُمان، في بعض أجمل وجوهها، تنتمي إلى الصنف الأخير.

فمنذ أن تعلّم العُماني أن يعيش بين البحر والجبل، وبين القافلة والميناء، وبين صرامة الصحراء وليونة الماء، لم تكن الحياة بالنسبة إليه معركة دائمة مع الآخر، بقدر ما كانت تمرينًا طويلًا على فهمه. ولذلك ربما لم تكن الحكمة العُمانية كتابًا كُتب في يوم، ولا نظرية صيغت في قاعة، وإنما كانت شيئًا يشبه النخلة: جذورها في الأرض، ورأسها يتطلع إلى السماء، وجذعها واقف بينهما دون أن يخاصم أحدًا.

هذه هي عُمان حين تُقرأ من نافذة الحكمة.

ثلاثون ركيزة يمكن أن تبدو للوهلة الأولى كأنها ثلاثون فكرة منفصلة، لكنها في الحقيقة خيط واحد طويل، يبدأ من التواضع وينتهي بالإنسان.

التواضع أمام الحقيقة أولها؛ لأن من يظن أنه امتلك الحقيقة كلها، أغلق الباب قبل أن يسمع السؤال. والعُماني الذي عاش قرونًا على طرق التجارة ومرافئ البحر، عرف مبكرًا أن العالم أوسع من نافذة البيت، وأن وراء الأفق أناسًا آخرين، وطرائق أخرى، وتجارب لا يجوز اختصارها في حكم سريع.

ومن هنا جاء الاعتراف بالاختلاف.

فالاختلاف في الحكمة العُمانية ليس كسراً للجدار، بل نافذة فيه. لا يُنظر إلى الآخر باعتباره خطراً لمجرد أنه مختلف، ولا يُطلب من الناس أن يصبحوا نسخة واحدة حتى يعيشوا معاً. إن أجمل ما في التعايش أن يظل للناس اختلافهم، دون أن يتحول الاختلاف إلى خصومة، ودون أن تصبح الخصومة عداوة.

ولهذا كان الحوار أكثر من وسيلة.

كان طريقة في الحياة.

أن تستمع قبل أن تجيب، وأن تفهم قبل أن تحكم، وأن تترك للآخر مساحة يقول فيها ما عنده دون أن تحمل كلامه على أسوأ وجوهه. وربما هنا يكمن سر كثير من الحضور العُماني الهادئ في عالم يزداد صخبًا: أن السياسة ليست دائماً فن قول الأشياء، بل فن معرفة متى نقولها، وكيف نقولها، ومتى نصمت.

والصمت، في بعض الأحيان، ليس غياباً للموقف.

إنه موقف ناضج.

الحكمة لا تحب العجلة. ولذلك يأتي الصبر الاستراتيجي ضمن أخلاقها؛ فليست كل نافذة تُفتح يجب الدخول منها، ولا كل فرصة يجب اقتناصها في اللحظة نفسها، ولا كل استفزاز يستحق جوابًا. هناك أوقات يكون فيها الانتظار أكثر ذكاءً من الاندفاع، ويكون خفض التوتر أكثر قوة من رفع الصوت.

وهنا تظهر قيمة التوازن.

أن تعرف كيف تقف بين الثابت والمتغير دون أن تسقط في أحدهما. أن تحفظ الجذور دون أن تتحول إلى شجرة ترفض الريح. وأن تنفتح على المستقبل دون أن تستيقظ ذات صباح فلا تجد نفسك.

هذه هي المرونة التي لا تعني التنازل، بل تعني القدرة على البقاء.

فالثوابت ليست قيدًا، والمتغيرات ليست خطرًا بالضرورة. الإنسان الحكيم هو من يعرف ماذا يحفظ، وماذا يغيّر، ومتى يغيّر، وبأي مقدار.

ومن هذه الفلسفة خرجت الواقعية.

ليس المقصود أن نرى العالم كما نتمنى، وإنما كما هو، ثم نسأل: ماذا نستطيع أن نفعل؟.

تلك هي صناعة الممكن.

فالعلاقات بين الدول لا تُدار بالرغبات وحدها، والسياسة لا تعرف دائماً الحلول المثالية. هناك مصالح، وموازين قوى، وجغرافيا، واقتصاد، ومخاوف، وطموحات. والحكمة ليست أن تنكر هذه الحقائق، وإنما أن تعرف كيف تتحرك بينها دون أن تفقد البوصلة.

ولذلك لا تحتاج القوة العُمانية إلى الضجيج كي تُرى.

فثمة قوة تشبه الرعد؛ تسمعها قبل أن تراها، وثمة قوة تشبه الجبل؛ لا يتحدث كثيراً، لكنه يبقى في مكانه.

القوة الهادئة ليست ضعفاً.

إنها قدرة على التأثير دون استعراض، وعلى حفظ قنوات الاتصال حين يغلق الآخرون أبوابهم، وعلى إبقاء خيط رفيع للحوار حتى في اللحظة التي يبدو فيها أن الجميع قد اختاروا القطيعة.

وهذا ما يجعل الثقة ثروة استراتيجية.

فالمال يمكن أن يُستعاد، والسلاح يمكن أن يُشترى، والموقع الجغرافي يمكن أن يتغير وزنه مع الزمن، أما الثقة فإنها تُبنى بسنوات، وقد تهدمها لحظة.

وحين يعرف الآخرون أنك لا تبحث عن إلغاء أحد، يصبح الاستماع إليك ممكنًا. وحين يعرفون أنك لا تستخدم الحوار غطاءً للهيمنة، يصبح الحوار أكثر صدقًا.

لذلك فإن احترام السيادة، وعدم الإلغاء، وحفظ الخصوصية، وتعدد العلاقات، ليست تفاصيل منفصلة؛ إنها أجزاء من فلسفة واحدة تقول: يمكن أن تكون صديقاً لهذا، وشريكاً لذاك، ومختلفاً مع ثالث، دون أن تجعل العالم غرفة مغلقة لا يدخلها إلا حلفاؤك.

لقد علمت الجغرافيا العُمانية أهلها شيئًا مهمًا: أن الموقع ليس قدراً، بل فرصة.

فهذا المكان الذي يقف عند ملتقى البحار والطرق لم يكن مجرد مساحة على الخريطة؛ كان عبر التاريخ جسراً بين عوالم مختلفة. ومن يفهم الجغرافيا بهذه الطريقة، لا يسأل فقط: أين أقف؟. بل يسأل أيضًا: ماذا أستطيع أن أصنع من هذا الموقع؟.

ومن هنا يصبح التدرج حكمة أخرى.

فالأشياء العميقة لا تنمو بالقفزات. الشجرة لا تفاوض الأرض على جذورها في يوم، والمجتمع لا يغيّر طباعه بقرار، والدولة لا تبني الثقة الدولية بخطاب واحد.

إن ما يثبت، غالبًا، هو ما ينمو بهدوء.

وربما لذلك تبدو الحكمة العُمانية أقرب إلى الماء منها إلى الصخر؛ الماء لا يصطدم بالجبل كل مرة، لكنه يجد طريقه حوله، ويظل يتحرك حتى يصل.

ثلاثون ركيزة، إذن، لكنها ليست ثلاثين وصية.

إنها ثلاثون نافذة على روح واحدة: روح ترى في الاعتدال قوة، وفي الحوار أفقًا، وفي الاختلاف ثراءً، وفي الصبر استراتيجية، وفي المرونة بقاءً، وفي الإنسان غاية.

والإنسان هنا ليس كلمة أخيرة تُكتب في نهاية النص.

إنه البداية.

فكل سياسة لا تحفظ الإنسان تتحول في النهاية إلى حسابات باردة، وكل قوة لا تمنحه الأمان تصبح عبئًا عليه، وكل اقتصاد لا يفتح له أبواب المستقبل يفقد معناه.

لهذا ربما تكون أعظم ركائز الحكمة العُمانية أن لا تتحول الحكمة إلى استعلاء.

فليس الحكيم من يقول للآخرين: تعلموا مني.

بل من يقول: تعالوا نتعلم معاً.

وهنا تحديداً تتحول التجربة العُمانية من خصوصية وطنية إلى قيمة إنسانية؛ لأن العالم الذي نعيش فيه اليوم لا يحتاج مزيداً من الجدران، ولا مزيدًا من الأصوات العالية، ولا مزيدًا من الذين يعتقدون أن الحل الوحيد للخلاف هو إلغاء المختلف.

العالم يحتاج إلى شيء أكثر بساطة وأشد صعوبة:

أن نتعلم كيف نختلف دون أن نتحول إلى أعداء.

وأن نحفظ ما يجمعنا دون أن نمحو ما يميزنا.

وأن نفتح أبواب الحوار حتى عندما تكون الريح في الخارج عاصفة.

تلك ليست فقط حكمة عُمانية.

إنها، في جوهرها، حكمة الإنسان حين يتعلم أخيراً أن السلام ليس غياب الاختلاف، وإنما القدرة على إدارة الاختلاف دون أن نفقد إنسانيتنا.

وربما لهذا كله، فإن أجمل ما يمكن أن تتركه عُمان للعالم ليس جواباً جاهزاً، بل سؤالاً: ماذا لو كان بإمكاننا أن نختلف دون أن نتصادم، وأن نختلف دون أن نلغي بعضنا، وأن نصنع من الحكمة طريقاً للمستقبل؟

عندها فقط، لا تكون الحكمة وصفاً لعُمان.

بل تصبح عُمان، في أجمل معانيها، وصفاً للحكمة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*