سعيد بن بخيت غفرم |
عندما تزور المعرض الوثائقي «ذاكرة وطن في أرض اللبان»، المقام ضمن فعاليات «عودة الماضي» في مدينة السعادة، ضمن مهرجان خريف ظفار، وتحت إشراف هيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية، يلفت انتباهك ما يقدمه من وثائق ومواد تستعرض جوانب مختلفة من تاريخ عُمان، في جهد مهم لحفظ الذاكرة الوطنية وتعريف الأجيال بإرث وطنهم.
لكن وجود المعرض في أرض اللبان يفتح مجالاً للتساؤل حول مدى حضور تاريخ ظفار وإرثها المحلي في الصورة التي يقدمها للزائر، وما إذا كان بالإمكان توسيع هذا الحضور بصورة تعكس عمق المنطقة وتنوعها الحضاري.
فظفار ليست مجرد وجهة سياحية ارتبط اسمها باللبان، بل أرض ذات حضارة وخصوصية ثقافية ممتدة عبر قرون. وعُرفت في فترات سابقة بمسميات، من بينها «أرض الشحر» و«شحر عُمان»، كما ارتبطت بأسواق تجارية قديمة، من أبرزها سوق الشحر، أحد الأسواق القديمة التي عُرفت في المصادر، وكان جزءاً من النشاط التجاري في المنطقة، ولا يزال تاريخه وموقعه بحاجة إلى مزيد من البحث والتوثيق.
وارتباطها باللبان لم يكن مجرد نشاط تجاري، بل شكّل جزءاً أساسياً من شهرتها ومكانتها عبر القرون، إلى جانب ما تمتلكه من مواقع تراثية وشواهد حضارية تستحق أن تكون حاضرة بصورة أوضح في مثل هذه الفعاليات.
واشتهرت كذلك بموانئ بحرية كان لها دور في حركة التجارة منذ القدم، مثل ريسوت وطاقة ومرباط وحاسك، وهو ما يعكس أهميتها البحرية والتجارية عبر فترات مختلفة.
ومن المهم كذلك توضيح الفرق بين «أرض الشحر» أو «شحر عُمان»، وهي من التسميات التي ارتبطت بظفار، وبين مدينة الشحر الحالية في حضرموت، التي عُرفت في فترات سابقة باسم «الأسعاء»، وكانت تُعد في فترة تاريخية ضمن حدود عُمان. ولم يظهر عليها اسم «الشحر» إلا بعد القرن السادس الهجري، حين سكنها قوم عُرفوا باسم «الشحراء»، ونُسبت التسمية إليهم. لذلك فإن توضيح تطور هذه المسميات، من أرض الشحر وشحر عُمان إلى ظفار، يمثل جانباً مهماً من التعريف بالمنطقة، ويساعد الأجيال والزوار على التمييز بين المواقع والأسماء وعدم الخلط بينها.
ومع وصول الإسلام، شهدت المنطقة مرحلة مهمة، إذ وفد إلى المدينة المنورة رجال من أرض الشحر، وأسلم أهل ظفار طواعية، لتبدأ مرحلة جديدة في مسيرتها، تلتها تحولات وأحداث سياسية واجتماعية تركت آثاراً في حياة السكان.
وتعاقبت بعد ذلك أنظمة وحكومات متعددة، أسهمت كل منها في تشكيل جانب من مسيرة ظفار، وتركت آثاراً في المجتمع والعمران والثقافة.
ولا تقتصر هوية ظفار على الأحداث السياسية، بل تشمل كذلك العادات والتقاليد، واللغات المحلية، والموروث الشعبي، والمسميات القديمة للمناطق والجبال والأودية، التي لا يزال بعضها حاضراً ويحمل دلالات مرتبطة بهوية المكان وذاكرته.
وتأتي مثل هذه الفعاليات فرصة لتعريف الزائر، إلى جانب التاريخ الوطني العام، بالأرض التي تستضيفها وما تختزنه من موروث ثقافي وحضاري. ويمكن تعزيز ذلك من خلال لوحة تعريفية مختصرة توضح أبرز المسميات التي عُرفت بها ظفار عبر الزمن، وأهم التحولات التي مرت بها، وصولاً إلى اسمها المعروف اليوم، مع إبراز نماذج من موروثها الثقافي والجغرافي.
إن إبراز إرث ظفار لا يعني فصلها عن تاريخ عُمان، بل يضيف إلى الصورة الوطنية ويجعلها أكثر تكاملاً، ويمنح الأجيال والزوار فرصة للتعرف على تنوع الإرث العُماني وثرائه.
وهذه الملاحظة ليست انتقاصاً من المعرض أو من الجهود المبذولة فيه، وإنما دعوة إلى توسيع مساحة الحضور المحلي في مثل هذه الفعاليات، حتى تكون «ذاكرة وطن» في أرض اللبان شاملة بصورة أكبر لإرث الأرض التي تحتضنها.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة