د. قاسم بن محمد الصالحي |
لست أدري أهو قدر هذه المنطقة أن تستيقظ كل صباح على حرب جديدة، أم أن الحروب هي التي تستيقظ عليها، فتجد فيها مأواها ومسرحها، ثم لا تلبث أن تبدل أسماءها وأعلامها، بينما تبقى حقيقتها واحدة لا تتغير.
ولست أدري، كذلك، كيف استطاع الشرق الأوسط أن يجعل من الاستثناء قاعدة، ومن الطارئ نظاماً، ومن الأزمة أسلوباً للحياة. حتى خُيّل إلى الناس أن السلام حادث عابر، وأن الحرب هي الأصل الذي تُقاس عليه الأشياء.
فإذا ضُربت سفينة، لم يكن السؤال: كيف نحفظ البحر؟. بل: من يملك البحر؟. وإذا استُهدف مطار، لم يكن السؤال: كيف نحمي الإنسان؟، بل: كيف نعيد رسم حدود الردع؟. وإذا ارتفع دخان منشأة، لم يبحث أحد عن الماء، وإنما انشغل الجميع بتحديد من يملك حق إشعال النار.
وهكذا أصبح الشرق الأوسط لا يكتب تاريخه بالحبر، وإنما بالدخان.
والعجيب أن كل طرف يزعم أنه يدافع عن الأمن، فإذا بالأمن نفسه يصبح أول ضحايا هذا الدفاع. وكل قوة تقول إنها تمنع الحرب، فإذا بالحرب تتسع كلما ارتفع صوت الحديث عن منعها. حتى كأننا أمام مفارقة لا يسع العقل إلا أن يقف عندها طويلاً؛ فالكل ينتصر في بياناته، لكن أحداً لا ينتصر في واقعه.
ولعل المأساة ليست في الصواريخ التي تعبر السماء، وإنما في الأفكار التي ما زالت تعبر الزمن دون أن تتغير. فما تزال القوة تُقاس بمقدار ما يُدمر، لا بمقدار ما يُبنى، ولا تزال الهيمنة تُحسب بعدد القواعد، لا بعدد الجامعات، ولا يزال النفوذ يُقاس بالخوف الذي تزرعه الدول في جيرانها، لا بالثقة التي تبنيها معهم.
لقد تبدل العالم من حولنا، حتى كاد لا يعرف نفسه. تغيرت خرائط الاقتصاد، وتبدلت موازين المعرفة، وأصبحت الموانئ الرقمية أكثر أثراً من الحصون الحجرية، وصار الذكاء البشري أثمن من آبار النفط. أما نحن، فما نزال نختلف حول الممرات ذاتها، والحدود ذاتها، والمخاوف ذاتها، وكأن الزمن قد مضى بالعالم كله، وترك الشرق الأوسط يناقش أسئلة الأمس.
إن الأمم لا تُقهر لأنها تُهزم في حرب، وإنما تُقهر حين تعجز عن مراجعة أفكارها. والتاريخ لم يكن يوماً خصماً لأحد، ولكنه كان دائماً شديد القسوة على الذين يكررون أخطاءهم وهم يظنون أنهم يصنعون مستقبلاً جديداً.
وما أشبه حالنا برجلٍ يقف أمام مرآة قديمة، كلما رأى فيها تجاعيد وجهه، كسر المرآة، ثم اشترى أخرى، وظن أن الزمن قد عاد شاباً. بينما كانت التجاعيد تسكن وجهه لا زجاجها.
هكذا نفعل منذ عقود؛ نغيّر أسماء الحروب، ولا نغيّر أسبابها. نبدّل التحالفات، ولا نبدّل طريقة التفكير. نرسم خرائط جديدة، لكننا نسير عليها بالعقل القديم نفسه.
ولعل العالم الجديد، وهو يتشكل على مهل، لا ينتظر من يحمل إليه خرائط الصراع، بل من يحمل إليه خرائط التعاون. ولا يسأل عن الدولة التي تملك أكثر الصواريخ، وإنما عن الدولة التي تستطيع أن تجعل شعبها أكثر أمناً، واقتصادها أكثر إنتاجاً، وعلاقاتها أكثر اتزاناً.
إن الشرق الأوسط لا تنقصه الثروة، ولا الموقع، ولا التاريخ، وإنما ينقصه أن يصدق، ولو مرة واحدة، أن المستقبل لا يولد من فوهة المدفع، بل من عقلٍ تحرر من خوف الماضي، ومن إرادةٍ أدركت أن أعظم الانتصارات ليست تلك التي تُهزم فيها الجيوش، وإنما تلك التي لا تُضطر فيها الشعوب إلى أن تعيش الحرب أصلاً.
وحين يدرك أهل هذه المنطقة أن التاريخ لا يكافئ من يكرر مشاهده، بل من يجرؤ على تغييرها، عندئذ فقط، قد تتوقف هذه الأرض عن محاورة ماضيها.. وتبدأ أخيراً في كتابة مستقبلها.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة