مقال | عُمان.. سُفنُ الحكمة في مرافئ العاصفة

د. قاسم بن محمد الصالحي|

حين يضيق الأفق في خرائط السياسة، وتعلو أمواج التوتر في مضيق هرمز، لا تتقدم سلطنة عُمان بسفنٍ صاخبة، بل بـ«بومٍ» عتيقٍ يعرف دروب البحر، وبـ«نواخذة» خبروا الريح والتيار، فصاروا يقرأون العاصفة قبل أن تولد.

في عُمان، ليست الدبلوماسية خطاباً يُرتجل، بل إرثٌ يتوارثه البحر والجبل؛ من صحار حيث انطلقت الحكايات الأولى، إلى مسقط التي صارت «مرفأ الأمان» لكل سفينةٍ أنهكها الموج. هنا، تُدار الأزمات كما تُدار الرحلات البحرية القديمة: صبرٌ على تبدّل الرياح، وحكمة في توجيه الدفّة، وإيمان بأن الوصول لا يكون بكسر الموج، بل بمصاحبته.

ما يجري اليوم في هرمز ليس مجرد شدّ حبالٍ بين قوى، بل اختبارٌ لمعنى الملاحة ذاتها: هل تكون طريقًا للعبور أم ساحةً للاعتراض؟. وفي هذا السؤال، تستعيد عُمان فلسفتها العميقة؛ فالمضيق في الوجدان العُماني «فلجٌ مالح» إن جفّ اختنق الجميع، وإن جرى بانتظامٍ ارتوت منه المصالح.

وحين تحضر مسقط في لحظةٍ كهذه، فهي لا تأتي وسيطاً بقدر ما تأتي «ربّاناً» يضبط المسار دون أن يدّعي القيادة. تفتح «السيفة» للحوار، وتخفض الأشرعة أمام الانفعال، لتُبقي السفن متباعدة بما يكفي كي لا تصطدم، وقريبة بما يكفي كي لا تضيع.

إن الحكمة العُمانية ليست حياداً بارداً، بل «سراجاً» في ليلٍ مضطرب؛ تُنير الطريق دون أن تحرق أحدًا. هي فهمٌ بأن البحر، مهما اضطرب، يظل مجالاً مشتركاً لا يحتمل المغامرة غير المحسوبة.

وهكذا، بين هدير الأمواج وصمت القرار، تواصل عُمان نسج دورها كما اعتادت: بخيوطٍ من هدوء، وعُقدٍ من توازن، لتقول للعالم بلغة البحر: إن أعنف العواصف تُهزم حين تجد من يُحسن الإبحار فيها.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*