صلاح وطرابزون.. صفقة يتجاوز تأثيرها كرة القدم

القاهرة – رويترز |

ترقبت الجماهير الخطوة التالية لمحمد صلاح بعد رحيله المفاجئ عن ليفربول بنهاية الموسم الماضي. ورغم تردد أنباء عن انتقاله إلى الدوري السعودي لكرة القدم للمحترفين، فاجأ قائد منتخب مصر الجماهير باختياره الانضمام إلى طرابزون سبور التركي.

فمنذ مارس الماضي، حين أعلن صلاح رحيله عن ليفربول قبل عام واحد من نهاية عقده، ارتبط اسمه مرارا بالانتقال إلى السعودية. ورأى كثيرون أن أندية المملكة ستجدد مساعيها للتعاقد معه ​بعد المحاولة السابقة التي كشف عنها الأمير عبد العزيز بن تركي الفيصل وزير الرياضة عام 2024، عندما سعى نادي الاتحاد لضمه.

وقال الأمير عبد العزيز وقتها “تلقينا إفادة من النادي (الاتحاد) أنه يوجد رغبة للتعاقد مع محمد صلاح. طبعا المبلغ كان فلكيا”.

لكن مصدرا ‌مقربا من هداف ليفربول السابق، طلب عدم ذكر اسمه، أبلغ رويترز بأن العروض السعودية في الصيف الحالي “لم تكن مناسبة لطموح صلاح على الصعيدين المالي والفني”. ولم يكشف المصدر عن قيمة العروض المالية التي حصل عليها صلاح من الأندية السعودية وإلى أي مرحلة وصلت المفاوضات.

وأعلن طرابزون يوم الخميس في بيان موجه للبورصة التركية أن صلاح وقع عقدا لمدة عامين وسيحصل على راتب قدره 17 مليون يورو (19.6 مليون دولار) في الموسم الواحد، كما أنه سيحصل على حصة تبلغ 20 بالمئة من إيرادات منتجات النادي التي ستباع باسمه، إضافة إلى مكافآت متعلقة بالأداء.

وقال المصري أحمد عز الدين المحلل الرياضي لرويترز، إن صلاح “اختار البحث عن عرض مالي جيد، ربما لأنه حقق كل الألقاب الممكنة في ليفربول… فقط كانت أرقامه القياسية ​في انجلترا هي الشيء الوحيد الذي تركه خلفه وكان قادرا على مواصلة كتابة اسمه في خانات أفضل هداف وصانع لعب في الدوري، لكنه ربما فضل عدم اللعب بقميص غير ليفربول في إنجلترا”.

وأضاف: صلاح كأي نجم في قيمته امتلك خيارات طبيعية ما بين اللعب في الوطن ​العربي مع اسمه المرتبط دائما بالسعودية أو الولايات المتحدة، لكنه اختار عدم اللعب خارج أوروبا في مواسمه الأخيرة لإبقاء صورته ناصعة في العالم العربي.

اهتمام يتجاوز حدود تركيا

وصف المصري أيمن عبد العزيز لاعب طرابزون السابق التعاقد ⁠مع صلاح بأنه “خطوة ذكية” من إدارة النادي نظرا لقيمته التسويقية الكبيرة وقدرته على تسليط المزيد من الأضواء على الفريق، كما أنه قد يساهم في تعزيز مكانة الدوري التركي ونموه، لأنه “لم يحدث من قبل أن انتقل واحد من أفضل ثلاثة لاعبين في العالم إلى هذا الدوري”.

وقال عبد العزيز، الفائز بكأس ​تركيا عام 2002، لرويترز “التعاقد مع لاعب بحجم صلاح يعني أن طرابزون يخاطب 120 مليون مصري، أعتقد أنهم سيتجهون لتشجيع النادي أو متابعة الدوري بشكل عام.

الجماهير في البلاد العربية التي كانت تتابعه في ليفربول ستتابعه في كل مكان. هذه الخطوة ستعطيهم رواجا كبيرا وهي خطوة ذكية لأنك ستستقطب عددا مهولا من ​الجماهير لمتابعة الدوري”.

ويعتقد الجورجي شوتا أرفيلادزه لاعب طرابزون السابق، الذي فاز بكأس تركيا مع الفريق عام 1994، أن انضمام صلاح للدوري التركي “يوضح الكثير عن أهمية الكرة التركية”.

وقال أفضل لاعب في تركيا عام 1994 لرويترز إن قرار صلاح بقضاء “الفترة الأخيرة من مسيرته في تركيا سيحدث تأثيرا كبيرا على الدوري خاصة على طرابزون”.

وفيما تبدو المكاسب الرياضية والتسويقية واضحة، يعتقد مسؤولون محليون أن تأثير الصفقة قد يمتد أيضا إلى السياحة.

وأعلن عادل قره إسماعيل أوغلو رئيس لجنة الأشغال العامة والإعمار والنقل والسياحة في البرلمان التركي، ونائب حزب العدالة والتنمية الحاكم عن ولاية طرابزون عن بدء رحلات طيران مباشرة بين المدينة التركية والقاهرة.

ونقلت صحيفة (خبرتورك) قوله “انطلقت أول رحلة طيران عارض (شارتر) من القاهرة إلى طرابزون يوم الأربعاء الخامس من أغسطس. ​ووصل على متن هذه الرحلة 120 سائحا مصريا إلى مدينتنا مباشرة من بلادهم ودون الحاجة إلى رحلات ربط.

“تتزايد يوما بعد يوم اهتمامات ضيوفنا المصريين بمدينتنا. إذ ارتفع عدد الزوار بنسبة 20 بالمئة عام 2025 مقارنة بعام 2024. ومع انضمام النجم محمد صلاح إلى صفوف طرابزون سبور وارتدائه القميص العنابي ​والأزرق هذا العام، فمن المتوقع أن يشهد هذا العدد مزيدا من الارتفاع”.

جسر ثقافي

ترتبط مصر وتركيا بروابط تاريخية وثقافية طويلة، ويعتقد دكتور عمار علي حسن الروائي والباحث في علم الاجتماع السياسي أن شعبية صلاح قد تسهم في تعزيز التواصل بين شعبي البلدين.

وقال حسن لرويترز “علاقة الأتراك بالعرب علاقة امتدت قرونا طويلة وتم قطعها لأسباب محددة ‌بعد سقوط الخلافة العثمانية”.

وأضاف ⁠أن التواصل بين الجانبين ظل لفترة طويلة محصورا في النخب الثقافية، قائلا/ طوال الوقت على مدار عقود من الزمن لم يحدث هذا الاتصال الجماهيري المباشر. ربما استمر الأمر على أيدي النخبة. مؤرخون عرب مهتمون بالتاريخ العثماني. ومؤرخون أتراك مهتمون بالتاريخ العربي أو التواريخ المشتركة بين الطرفين… لم يحدث شيء شعبي إلا منذ مدة.

واعتبر أن انتقال صلاح إلى طرابزون يمثل نقطة تحول في هذا السياق، مضيفا، لكن كل ما مضى في الغالب اقتصر على النخب سواء في الموسيقى أو في المأكولات أو في الأدب أو في الأفكار… حالة صلاح هي أول حالة تكسر هذه المسألة وتصل إلى الجماهير العريضة.

وأشار إلى أن شعبية صلاح قد تدفع مزيدا من المصريين إلى متابعة الكرة التركية، قائلا “اليوم في مصر خصوصا كثير من الشباب الذين يحبون صلاح وكانوا ينقلون هواهم الرياضي إلى أي فريق يحل فيه. شجعوا فيورنتينا ثم ليفربول واليوم يتحدث بعضهم على أنه سيتابع الدوري التركي وطرابزون”.

وتابع: حالة صلاح التي كانت تساهم في رسم صورة مغايرة للعرب والمسلمين ​خلال وجوده في ليفربول كانت مقبولة جدا ومتفاعل معها إسلاميا، لا سيما ​أنه يُظهر دائما تدينا معتدلا. هذه الحالة نقلت إلى جمهور تركي ⁠أيضا ليس بعيدا عن هذا القضاء العقائدي والثقافي.

وقال حسن إن انتقال صلاح إلى تركيا ربما يساهم في انفتاح أهلها أكثر على الثقافة العربية، موضحا: نحن كعرب منفتحون على الثقافة التركية الآن أكثر من انفتاح الأتراك على الثقافة العربية… ربما حالة صلاح كحالة شعبوية تشجع إلى حد ما على انفتاح الأتراك.

ويرى حسن أن تأثير الظاهرة قد يمتد إلى ما هو أبعد من كرة القدم، كاشفا “لفتت (الصفقة) انتباه كتلة بشرية ضخمة من شعب مصر إلى الدوري التركي… هذا أول ​مكسب وقد يتَرجم في النهاية اقتصاديا من خلال التآلف مع السلعة التركية، وهكذا في الوقت ذاته قد يحدث هذا مع مصر يعني يحدث العكس (بانتشار) الثقافة المصرية والسلع المصرية والطقوس المصرية (في تركيا).

قدوة

يعول طرابزون في السنوات ​الأخيرة على تطوير المواهب الشابة ثم بيعها ⁠للاستفادة ماليا، وهو نهج يعتقد أرطغرل دوجان رئيس النادي أن صلاح سيساعد على تنميته.

وقال دوجان، الذي أوضح أن المفاوضات بدأت أثناء كأس العالم، في تصريحات لمحطة (تيفيبو سبور) التركية: سبق أن تحدثت عن مشروع إعادة الهيكلة الذي ننفذه. وفي إطار هذا المشروع، نستقطب اللاعبين إلى الفريق، ثم نعمل على تطويرهم وبيعهم لاحقا. لاعب بمواصفات محمد صلاح يمثل أهمية كبيرة جدا لهذا المشروع، إذ سيساهم بشكل كبير من حيث الرؤية والقيادة بالنسبة للاعبينا الشباب.

ويعتقد عز الدين أن انتقال صلاح إلى الدوري التركي سينعكس بالإيجاب على رحلته مع منتخب مصر، إذ سينافس في مسابقة لا تتحلى بنفس القوة البدنية الموجودة في الدوري الإنجليزي مشبها هذه المرحلة بما فعله ليونيل ميسي ⁠عندما غادر برشلونة إلى ​باريس سان جيرمان بطل الدوري الفرنسي.

وأضاف: مثل ميسي سيكون صلاح غير محتاج لبذل نفس الطاقة التي كان مطالبا بها مع ليفربول، فيمكنه توفير جزء من الطاقة لتمديد فترة قيادته للمنتخب ​مطاردا كأس الأمم الأفريقية التي لا تزال غائبة عن خزينة بطولاته.

وقال أرفيلادزه، هداف الدوري التركي السابق: أعرف ما الذي يمكنه القيام به مع الفريق وكيف سيجعل المدينة الشغوفة بكرة القدم سعيدة. لقد لعبت هناك ولم يحدث أن آتى لاعبا بحجم صلاح إلى الفريق على ما أتذكر. لا أعتقد أن هناك لاعبا بحجمه سبق وأن انضم للنادي.

وفي لفتة ترحيبية اتسمت بروح الدعابة، عرض ​رئيس بلدية طرابزون على صلاح قطعة أرض في المدينة، مازحا بأن المنطقة ستكون من أقل المناطق تأثرا بالاحتباس الحراري مستقبلا، قائلا: في المستقبل ستكون منطقتنا صالحة للعيش في تلك السنوات وستكون الأقل تأثرا بالاحتباس الحراري.. لذلك دعونا نمنحكم قطعة أرض جميلة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*