مقال | الكسل المعرفي السياحي… عندما تصبح 1+1=5 (الجزء الأول)

* محمود النشيط|

دراسات متعددة ناقشت وما زالت تناقش وفق أسس وأطروحات علمية مبنية على المتغيرات في الساحة السياحية في صناعة تقوم على التفاصيل الدقيقة، وتُبنى قراراتها على توقعات الأسواق وسلوك المسافرين والقدرة على قراءة المستقبل، يبدو “الكسل المعرفي” أحد أكثر التحديات الصامتة التي تواجه القطاع السياحي. إنه ذلك الاكتفاء بالمعلومة القديمة، والاعتماد على الخبرة المتراكمة وحدها، وتكرار الوصفات التقليدية دون مساءلة أو تحديث، حتى تصبح المعادلات المهنية أقرب إلى العبث؛ فتصبح 1+1=5.

هذه العبارة ليست خطأ حسابياً بقدر ما هي توصيف مجازي لنتائج خاطئة تُبنى على مقدمات غير دقيقة. فعندما تُستخدم بيانات قديمة، أو تُتخذ قرارات تسويقية اعتماداً على الانطباعات الشخصية لا على التحليل العلمي، فإن المخرجات تبدو منطقية ظاهريًا، لكنها بعيدة عن الواقع.

لقد تغيرت السياحة العالمية بصورة جذرية خلال السنوات الأخيرة. فالسائح الذي كان يبحث عن السعر الأقل، أصبح يبحث أيضاً عن التجربة الأصيلة، والاستدامة، والأمن الصحي، وسهولة الوصول الرقمي، والتوصيات القادمة من المؤثرين والمراجعات الإلكترونية. وتشير بيانات منظمة الأمم المتحدة للسياحة، إلى أن القطاع استعاد زخمه بعد الجائحة، إذ تجاوز عدد السياح الدوليين عالمياً حاجز 1.4 مليار سائح خلال عام 2025، مقترباً من مستويات ما قبل الجائحة، إلا أن أنماط السفر لم تعد كما كانت.

ومع ذلك، لا تزال بعض المؤسسات السياحية في منطقتنا تقيس النجاح بعدد القادمين فقط، متجاهلة مؤشرات أكثر أهمية، مثل متوسط الإنفاق السياحي، والعائد الاقتصادي لكل زائر، ومعدل تكرار الزيارة، ومستوى رضا السائح، وتأثير النشاط السياحي على المجتمع المحلي والبيئة.

إن الكسل المعرفي يتجسد أيضاً في الاعتقاد بأن الأسواق التقليدية ستظل المصدر الدائم للنمو. ففي الوقت الذي تتنافس فيه الوجهات العالمية على استقطاب شرائح جديدة من المسافرين الرقميين، وسياح التجارب، وسياحة الرفاهية، وسياحة العمل والمؤتمرات، لا تزال بعض الخطط التسويقية تُعاد طباعتها كل عام مع تغييرات طفيفة لا تمس جوهر التفكير.

وفي منطقة الخليج العربي، التي تشهد طفرة سياحية غير مسبوقة، تبدو الحاجة إلى تجديد المعرفة أكثر إلحاحاً. فقد نجحت دول الخليج في تنويع منتجاتها السياحية، واستقطاب الفعاليات الدولية، وتطوير البنية الأساسية، إلا أن المحافظة على هذا الزخم تتطلب قرارات مبنية على التحليل المستمر للبيانات وليس على النجاحات السابقة فقط.

*إعلامي بحريني متخصص في الإعلام السياحي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*