مقال | العقول التي تركع لكبريائها

د. قاسم بن محمد الصالحي |

ما أيسر أن يمتلئ الرأس بالعلوم، وما أعسر أن يمتلئ القلب بالنور. فالعلم إذا لم يتهذب بالتواضع، كان كالسيف في يد أعمى؛ يكثر به الضرب، ويقل به الهدى. وليس البلاء في قلة المعرفة، وإنما البلاء أن تبلغ من المعرفة مبلغاً يوقعك في عبادة نفسك، فتظن أنك كلما ازددت علمًا ارتفعت عن مقام العبودية، وما علمت أن أول العلم أن تعرف قدرك، وأن آخر الحكمة أن تعرف ربك.

لقد عرفت الإنسانية رجالًا كانت ألسنتهم خزائن للفكر، وعقولهم بحاراً للجدل، ولكن قلوبهم كانت قفارًا لا تنبت رحمة، ولا تعرف خشية، ولا تخضع لحق. فكان الواحد منهم يزن الكون بعقله، ولا يستطيع أن يزن نفسه بميزان الضمير. وإذا وقف أمام الحقيقة، لم يسأل: ماذا يجب أن أفعل؟. بل سأل: كيف أجعل الحقيقة توافق هواي؟.

وهنا يبدأ سقوط الإنسان، لا حين يجهل، بل حين يتكبر على ما يعلم.

إن العقل نعمة، ولكنه ليس سيداً مطلقاً، وإنما هو وزير في مملكة الروح، فإذا اغتصب العرش، أفسد المملكة كلها. وما أكثر الأمم التي رفعت العقل شعاراً، ثم جعلته مطية للشهوة، وسُلَّماً للاستعلاء، وسلاحاً لتبرير الظلم. فإذا القوي يقتل باسم الحضارة، والمستعمر ينهب باسم التقدم، والطاغية يبطش باسم الأمن، وكلهم يتحدثون بلسان الحكمة، وما الحكمة إلا بريئة من أفعالهم.

وما قيمة عقلٍ يفتح أبواب السماء بالطائرات، ثم يعجز عن فتح باب الرحمة في قلب صاحبه؟. وما نفع فلسفةٍ تحفظ حقوق الإنسان في الكتب، ثم تستبيحها في الميدان؟. إن الحضارة التي تسمو بآلاتها، وتهبط بأخلاقها، ليست حضارة تمشي إلى المستقبل، وإنما هي هاوية تمشي إليها الأمم بأقدامها وهي تظن أنها تصعد.

ولقد رأيت في البسطاء من صفاء البصيرة ما لم أجده عند كثير من المتفلسفين؛ أولئك الذين لا يحسنون صناعة الكلام، ولكنهم يحسنون صناعة الإنسان. لا يملكون بريق الألقاب، ولكنهم يملكون نور الضمير. إذا وعدوا وفوا، وإذا اؤتمنوا أدوا، وإذا قدروا عدلوا، وكأن الأخلاق عندهم ليست درسًا يتعلمونه، بل فطرة يتنفسونها.

إن قيمة المرء لا تُقاس بما جمع في رأسه من الأفكار، وإنما بما أودع الله في قلبه من خشية، وما أجراه على يديه من خير. فكم من رجلٍ عاش مجهولاً بين الناس، وكان معروفاً في السماء، وكم من مشهورٍ ملأ الدنيا صخبًا، فلما انقضى أجله لم يبق منه إلا ضجيج الكلمات.

وليس الإنسان في نهاية المطاف إلا موقفاً. فإن استقام موقفه، أغنته فطرته عن كثير من الجدل، وإن فسد موقفه، لم تنفعه مكتبة الأرض كلها. فالحق لا يسكن اللسان حتى يسكن القلب، ولا يشرق في العقل حتى يتجلى في السلوك.

وهكذا يبقى أعظم الانتصارات أن ينتصر المرء على نفسه، لأن من غلب هواه فقد فتح مدينةً لا تستطيع الجيوش اقتحامها، ومن هُزم أمام كبريائه، فلن تنفعه الدنيا كلها، ولو حمل مفاتيح المعرفة جميعًا.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*