د. قاسم بن محمد الصالحي |
في هذه المنطقة من العالم، لم تكن الجغرافيا يوماً مجرد حدود مرسومة على الخرائط؛ فهنا تمر شرايين الطاقة، وتلتقي طرق التجارة، وتتقاطع أحلام الإمبراطوريات وحسابات الدول. ولذلك فإن ما يجري في الشرق الأوسط اليوم ليس مجرد موجة جديدة من الأزمات، بل هو مخاض مرحلة تاريخية تتشكل فيها قواعد جديدة للقوة والنفوذ.
فالمنطقة تنتقل تدريجياً من زمن الحروب التقليدية إلى زمن الصراع على هندسة النظام. لم يعد السؤال فقط: من يمتلك القوة العسكرية؟ بل أصبح: من يمتلك القدرة على صياغة التوازنات، والتحكم في الممرات، وبناء شبكات المصالح التي تحدد شكل المستقبل؟.
من هذا المنظور، فإن الحديث عن منظومة أمنية إقليمية جديدة بقيادة الولايات المتحدة لا ينبغي قراءته باعتباره مجرد تحالف عسكري بالمعنى التقليدي، بل باعتباره محاولة لإعادة تعريف مفهوم الأمن في الشرق الأوسط؛ أمن يقوم على شبكات الدفاع والإنذار المبكر، وحماية الممرات البحرية، وتكامل المعلومات، وتقليل الحاجة إلى التدخل العسكري المباشر.
لكن التاريخ يعلمنا أن الأمن الذي يُبنى على استبعاد الآخرين يبقى هشاً، وأن التوازنات التي لا تراعي مصالح القوى الإقليمية سرعان ما تتحول إلى مصادر توتر جديدة. وهنا تظهر إيران كعامل لا يمكن تجاوزه؛ فهي، رغم الضغوط التي تواجهها، ما زالت تمتلك أدوات تأثير تمتد من الخليج إلى البحر الأحمر، وتدرك أن المعركة الحقيقية ليست فقط على السلاح، بل على موقعها في النظام الإقليمي القادم.
وفي المقابل، تقف دول الخليج أمام معادلة دقيقة؛ فهي تدرك أهمية المظلة الأمنية، لكنها تدرك أيضاً أن التحالفات الصلبة قد تجعلها جزءاً من صراعات لا تملك قرار بدايتها أو نهايتها. لذلك تتجه إلى البحث عن صيغة أكثر مرونة: أمن يحمي المصالح، دون أن يتحول إلى ارتهان سياسي أو اصطفاف دائم في مواجهة طرف إقليمي آخر.
وفي قلب هذه التحولات تبرز سلطنة عُمان بصورة مختلفة؛ فبينما تتسابق القوى إلى بناء الجدران، اختارت مسقط بناء الجسور. لقد تحولت الدبلوماسية العُمانية عبر عقود إلى رصيد استراتيجي يقوم على الثقة، والقدرة على إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة، والإيمان بأن أمن الخليج لا يمكن أن يتحقق بمنطق الغلبة، بل بمنطق التفاهم والقانون الدولي.
غير أن التحولات لا تقتصر على الأمن العسكري؛ فالمعركة القادمة ستكون أيضاً معركة ممرات اقتصادية.. فالعراق، من خلال مشاريع مثل “طريق التنمية”، لا يحاول بناء طريق للنقل فقط، بل يسعى إلى استعادة دوره كحلقة وصل بين الخليج وآسيا وأوروبا.. ولهذا أصبحت الموانئ والسكك والممرات التجارية جزءاً من صراع النفوذ بقدر ما هي أدوات للتنمية..
حتى اليمن لم يعد مجرد ملف أمني منفصل، بل أصبح جزءاً من معادلة أوسع تتعلق بأمن البحر الأحمر وبمستقبل التوازنات في المنطقة. فمرحلة ما بعد الصراعات ستفرض الانتقال من منطق القوى غير الرسمية إلى منطق الدولة والمؤسسات، وهي عملية ستحدد شكل اليمن وموقعه في النظام الإقليمي المقبل.
وفي الجانب الآخر من المتوسط، تكشف أزمات الهجرة أن أدوات الصراع تغيرت؛ فلم تعد الضغوط تُمارس فقط عبر الجيوش والأسلحة، بل عبر ملفات إنسانية واقتصادية وأمنية يمكن أن تتحول إلى أوراق نفوذ في عالم تتداخل فيه الحدود والمصالح.
ولا يمكن قراءة هذه التحولات بمعزل عن صعود أدوار الصين وروسيا؛ فالعالم لم يعد أحادي القطب كما كان، والطاقة والممرات التجارية أصبحت ساحات تنافس بين القوى الكبرى. الصين تنظر إلى المنطقة من زاوية الأمن الاقتصادي وسلاسل الإمداد، بينما تسعى روسيا إلى تثبيت حضورها كقوة موازنة للغرب.
إن الشرق الأوسط يقف اليوم أمام مفترق طرق تاريخي: إما أن يعاد تشكيله بمنطق المحاور والصدامات، أو أن يولد نظام أكثر توازناً يقوم على المصالح المتبادلة واحترام سيادة الدول.
فالمرحلة القادمة لن تحددها فقط الدول التي تمتلك الطائرات والصواريخ، بل الدول التي تمتلك القدرة على قراءة حركة التاريخ، وبناء التوازنات، وتحويل موقعها الجغرافي من عبء إلى مصدر قوة.
وفي عالم سريع التحول، فإن الذين يصنعون المستقبل ليسوا بالضرورة أصحاب القوة الأكبر، بل أصحاب الرؤية الأبعد.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة