مقال | بين قارون وحيلة السبت.. سلامٌ يُصاغ أم يُؤجَّل؟.

د. قاسم بن محمد الصالحي|

في هذا الركن المشتعل من العالم، لا يبدو المشهد حرباً خالصة ولا سلامًا مكتملاً، بل حالة معلّقة بين ضربةٍ تُحسب وتفاهمٍ يُختبر. الأخبار تتدفق بلغةٍ مزدوجة: تصعيدٌ على الأرض، ورسائلُ تهدئة في الكواليس. كأن الجميع يقاتل.. لكنه يترك باباً موارباً للمصافحة.

ما يجري اليوم يتجاوز منطق الصراع المباشر إلى ما هو أعمق: إدارة الصراع لا حسمه. هنا، يظهر النمط القاروني في أوضح صوره؛ حيث تتحول القوة -عسكرية كانت أو اقتصادية- إلى أداة فرضٍ صامت، تُعاد عبرها صياغة التوازنات. لا أحد يعلن امتلاكه للحقيقة، لكن الجميع يتصرف وكأنه يمتلك مفاتيحها.

وفي موازاة ذلك، تعمل “حيلة السبت” بصيغتها الحديثة: لا خرق صريح للقواعد، بل إعادة تفسيرها. خطوطٌ حمراء تُعاد هندستها، اتفاقاتٌ جزئية تُقدَّم كإنجازات، وتصعيدٌ محسوب يُسوَّق كضرورة دفاعية. هكذا يُدار المشهد: التزامٌ بالشكل، ومناورةٌ في المضمون.

التفاهمات المنتظرة لا تُبنى في فراغ، بل فوق أرضٍ لا تزال ساخنة. لذلك تبدو أقرب إلى “توازنات مؤقتة” منها إلى سلامٍ مستدام. سلامٌ يُراد له أن يوقف النزيف دون أن يعالج أسبابه، وأن يضبط الإيقاع دون أن يغيّر اللحن.

السؤال الذي يفرض نفسه: هل نحن أمام تسوية حقيقية، أم أمام إعادة ترتيب لمواقع القوة بانتظار جولة أخرى؟.

التاريخ القريب يقول إن السلام الذي لا يُعيد تعريف العدالة، يتحول إلى هدنةٍ طويلة.

والواقع يقول إن إدارة الصراع قد تُطيل عمره أكثر مما تُنهيه.

بين قارون الذي يملك، وحيلة السبت التي تُبرّر، يقف العالم على حافة اتفاقٍ يُرجى.. لكن لا يُطمأن إليه بعد.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*