مقال| الميتافيزيقيا الاقتصادية.. كيف يمكن أن تُصنع منها سياحة ذات شأن؟.

د. ناصر بن علي الجهوري|

مع تسارع المؤشرات الاقتصادية العالمية وتزايد المنافسة على جذب الاستثمارات والسياح، لم تعد الأدوات التقليدية وحدها كافية لصناعة التميّز. فالأرقام تشرح جزءًا من المشهد، لكنها لا تفسّر لماذا تجذب وجهةٌ ما الزائرَ أكثر من غيرها، ولا لماذا يعود السائح أو يستقر المستثمر.

من هنا يظهر مفهوم الميتافيزيقيا الاقتصادية؛ أي البُعد غير المادي في الاقتصاد المرتبط بالهوية والقيم وتجربة الإنسان مع المكان.

وتمتلك سلطنة عُمان رصيداً استثنائياً من هذا البُعد غير المرئي؛ يتمثل في أصالة المكان، وهدوء المشهد، وصدق الإنسان وطبعه، وتجذر التاريخ. وهي عناصر قد لا تظهر في الإحصاءات، لكنها تؤثر مباشرة في قرار الزائر والمستثمر.

التجارب الدولية تؤكد أن السياحة لم تعد انتقالاً جغرافياً فقط، بل تجربة شعورية متكاملة. فالسائح المعاصر يبحث عن الإحساس قبل المكان، وعن القصة قبل الصورة، وعن المعنى قبل الرفاهية. وهنا تتجلى الميتافيزيقيا الاقتصادية بوصفها القدرة على تحويل الهوية الثقافية إلى قيمة اقتصادية قابلة للاستدامة.

كما يمكن ترجمة هذا المفهوم عملياً من خلال إعادة صياغة المنتج السياحي ليقوم على تجربة المعنى. يمكن تحويل الأسواق التقليدية إلى تجربة حيّة تُروى فيها حكايات الحِرف ويشارك الزائر تفاصيل الحياة اليومية، بدل الاكتفاء بالمشاهدة. وكذلك الحال في القرى الجبلية، والسواحل البكر، والمواقع التراثية، حيث تكمن القيمة الحقيقية في إحياء روح المكان لا شكله فقط.

ويمكن توضيح ذلك بمثال آخر: السائح الذي يزور الـسوق الشرقي بولاية نزوى مثلاً، إذا وجد مجرد بيع وشراء، فستكون التجربة عابرة. أما إذا وجد حكايات وتفاعلاً حقيقياً مع المكان، فإن التجربة تتحول إلى ذاكرة تصنع الولاء للوجهة.

اقتصادياً، ينعكس ذلك في زيادة مدة إقامة السائح، وارتفاع إنفاقه ورضاه، وتحوله إلى مروّج غير مباشر للوجهة. كما يسهم في استقطاب فئة السياح الباحثين عن التجارب الأصيلة، وهي الفئة الأعلى قيمة في منظومات العائد السياحي المستدام.

أما على مستوى الاستثمار، فإن الميتافيزيقيا الاقتصادية تعني ببساطة: بيئة لها قصة وهوية يمكن الوثوق بها. فالمستثمر لا يبحث عن العائد المالي فقط، بل عن الاستقرار، والسمعة، والوضوح المؤسسي، والقدرة على التنبؤ. وهذه عناصر تمتلكها سلطنة عُمان عبر تراكمها التاريخي ونهجها التنموي المتوازن.

التحدي الحقيقي ليس في نقص المقومات، بل في تحويلها إلى تجارب ومنتجات قابلة للتسويق. وهنا يأتي دور التكامل بين الجهات الحكومية والقطاع الخاص والمجتمع المحلي، لصياغة نموذج سياحي واقتصادي يدرك أن القيمة لا تُنتج فقط مما نراه، بل مما نعيشه ونشعر به.

ويمكن القول إن مستقبل التنافسية الاقتصادية لن يُحسم بالأرقام وحدها، بل بالمعاني التي تقف خلفها. ومن هنا، يمكن للميتافيزيقيا الاقتصادية أن تعزز مكانة عُمان كوجهة تجمع بين الجمال والعائد والهوية الحضارية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*