مقال | جسور المشاة في مسقط.. من ممرات عبور إلى أيقونات حضرية نابضة بالحياة

د. ناصر بن علي الجهوري|

في المدن التي تُحسن قراءة تفاصيلها الصغيرة، تتحول المرافق البسيطة إلى عناصر فاعلة في تشكيل الهوية الحضرية. وفي مسقط، تبرز جسور المشاة المعلقة كنموذج واضح لهذه الإمكانات؛ فقد أُنشئت أساسًا للسلامة المرورية، لكنها اليوم على أعتاب تحول نوعي يجعلها أكثر من مجرد ممرات، لتصبح معالم جمالية واستثمارية متكاملة.

تمتلك هذه الجسور مواقع استراتيجية على شارع السلطان قابوس، ما يجعلها نقاط رؤية مرتفعة وواجهات حضرية ومساحات قابلة لإعادة التوظيف لتعزيز جودة الحياة والتجربة البصرية للمدينة. إعادة تصميمها برؤية احترافية يمكن أن يحوّلها إلى فضاءات نابضة بالحياة تخدم السكان والزوار على حد سواء.

والتجارب العالمية تثبت نجاح إعادة توظيف البنية الأساسية بطرق مبتكرة. ففي كوالالمبور، يربط جسر المشاة المكيّف منطقة المثلث الذهبي بمجمع البافليون–بوكيت بنتانج، موفّراً مساراً حضرياً آمناً للمشي اليومي والنشاط الرياضي، ويجذب ملايين الزوار ويعزز النشاط التجاري والسياحي.

أما في السياق العُماني، فيمكن استثمار جسور المشاة كمنصات فنية مكيفة، تُعرض فيها أعمال تشكيلية وصور فوتوغرافية ونصوص أدبية تعكس الهوية العُمانية، مع شاشات رقمية تفاعلية تقدم محتوى ثقافياً وسياحياً، محوّلةً العبور إلى تجربة معرفية وجمالية.

على الصعيد الاستثماري، يمكن تطوير هذه الجسور لتشمل مقاهي معلقة أو أكشاك ذكية، مما يوفر بيئة عمل آمنة للشباب ويعزز ريادة الأعمال، مع اعتماد حلول مستدامة مثل استخدام الطاقة الشمسية والتصاميم الصديقة للبيئة. كما يمكن طرح مزايدات تنافسية لتحفيز الابتكار وتحويل الجسور إلى منصات حضرية منتجة يُقاس أثرها اقتصادياً واجتماعياً.

ولا يقل البعد الجمالي أهمية، إذ يمكن إعادة تصميم الجسور بأساليب معمارية مبتكرة توظف الإضاءة والألوان والزخارف، لتتحول إلى لوحات فنية ممتدة في الفضاء الحضري، وتعزز صورة مسقط كمدينة عصرية تجمع بين الأصالة والمعاصرة.

إن إعادة تصميم جسور المشاة في مسقط لا يقتصر على الجانب الاستثماري أو الجمالي، بل يعزز السلامة المرورية، ويفتح مساحات للتواصل المجتمعي، ويشجع الأطفال وكبار السن على الحركة والنشاط الصحي. بهذه الطريقة، تتحول الجسور إلى فضاءات حيوية تخدم جميع فئات المجتمع وتُثري الحياة اليومية للمدينة.

تحقيق هذا التحول يتطلب تكاملاً مؤسسياً بين الجهات الحكومية والخاصة، وإشراك المجتمع في صياغة الرؤية، ووضع أطر تنظيمية تضمن جودة التنفيذ واستدامة التشغيل والحفاظ على السلامة العامة.

إن الاستثمار في جسور المشاة المعلقة يمثل خطوة ذكية نحو تعظيم كفاءة الموارد القائمة وتحويلها إلى عناصر إنتاج حضري متعددة الأبعاد. فحين تتقاطع الرؤية مع الإبداع، تتحول التفاصيل الصغيرة إلى علامات فارقة في ذاكرة المدينة.

وفي مسقط، حيث يتناغم الجمال الطبيعي مع العمق الحضاري، تبقى الفرصة مهيأة لإعادة اكتشاف هذه الجسور كأيقونات تصل بين الإنسان والمكان، بين الوظيفة والجمال، وبين الحاضر والطموح.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*