مقال | حكاية المضيق الذي أراد أن يحمل اسماً جديداً

د. قاسم بن محمد الصالحي |

يحكى ـ يا سادة يا كرام، في سالف العصر والأوان، وفي زمن كانت فيه الخرائط تُرسم بالحبر لا بالأقمار الصناعية ـ أن البحار كانت مملكة واسعة، وأن من يملك سفينة شراعية وريشة كاتب كان يظن أنه قادر على أن يضع اسمه فوق صفحة من صفحات العالم.

فكان يأتي رحالة من هنا، ومستكشف من هناك، وقبطان يحمل بوصلة لا تخطئ ـ أو هكذا كان يعتقد ـ فيعود من رحلته ليقول: “لقد اكتشفت أرضاً لم يعرفها أحد قبلي!”، فيبتسم أهل المكان الذين كانوا يعيشون فيها منذ آلاف السنين ويقولون: “غريب أمركم، جئتم بسفينة قبل أشهر، فاكتشفتم ما كنا نعرفه منذ أجداد أجدادنا!”

وهكذا امتلأت الخرائط بأسماء رجال مروا في البحار، بعضهم كان عالماً ومغامراً، وبعضهم كان يحمل معه أطماع التجارة والسيطرة، حتى أصبح الاسم أحياناً أشبه براية تُرفع فوق الأرض والماء، وكأن الجغرافيا دفتر كبير ينتظر من يكتب عليه توقيعه.

وفي زماننا هذا، ظهر رجل من بلاد بعيدة، له طريقته الخاصة في مخاطبة التاريخ، فقال: لماذا تبقى الممرات الكبرى بأسماء قديمة؟، لماذا لا يحمل أحدها اسماً جديداً؟. وهكذا خرجت فكرة “مضيق ترامب” ليضاف اسم جديد إلى قائمة طويلة من الأسماء التي حاول أصحابها أن يجعلوا من الجغرافيا شاهدة على حضورهم.

ولعل الرجل لا ينظر إلى الأمر باعتباره مجرد تغيير اسم، بل كأنه يريد أن يقول: “لقد كنت هنا، وكان لي دور في هذه اللحظة الكبرى”. فالأسماء عند الساسة ليست دائماً حروفاً على خريطة، بل رسائل سياسية، وأحياناً تكون أقرب إلى ختم يوضع على وثيقة النفوذ.

لكن المضيق العتيق، الذي شهد مرور سفن الفينيقيين والتجار والرحالة والجيوش، قد يبتسم قليلاً أمام هذه المحاولات، وكأنه يقول: “مرّ قبلك كثيرون، وكل واحد منهم ظن أن البحر سيحفظ اسمه إلى الأبد، ثم بقي البحر وبقيت الحكاية، أما الأسماء فتتغير كما تتغير الرياح”.

فمضيق هرمز ليس مجرد اسم؛ إنه قصة جغرافيا صنعتها الطبيعة قبل أن تصنعها السياسة. هو بوابة بين بحار، وشريان للطاقة، وممر تعبره مصالح أمم كثيرة. ولذلك فإن قيمته الحقيقية لا تأتي من اسم يوضع عليه، بل من قدرة من حوله على أن يجعلوه جسراً للتعاون لا ساحة للصراع.

وربما يكون الدرس الأهم من حكايات البحار القديمة أن السيطرة على الممرات لا تكون دائماً برفع الأعلام أو كتابة الأسماء، بل ببناء الثقة. فالدول التي تقع على ضفاف الجغرافيا لا ينبغي أن تترك تاريخها يُكتب من الآخرين وحدهم، بل عليها أن تكون شريكاً فاعلاً في صناعة مستقبلها.

إن الخليج وإيران والدول المستفيدة من حركة الملاحة العالمية أمام فرصة تاريخية: أن ينتقل المضيق من كونه نقطة قلق إلى مساحة تعاون، ومن ورقة ضغط إلى منصة مصالح مشتركة. فالعالم اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الأسماء على الخرائط، بل يحتاج إلى مزيد من الشراكات على الأرض والماء.

وفي نهاية الحكاية، جلس الراوي عند باب المدينة وقال:

“يا أهل البحر، إن أعظم من يخلّد اسمه ليس من يكتبه على مضيق، بل من يجعل السفن تمر بأمان، والتجارة تزدهر، والشعوب تنام مطمئنة”.

وهكذا بقي البحر بحراً.. وبقيت الحكاية مفتوحة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*