مقال | نظيرة الحارثي.. حين حملت عُمان إلى قمم العالم

د. قاسم بن محمد الصالحي |

هناك أشخاص لا تُقاس حياتهم بعدد السنوات التي عاشوها، بل بارتفاع الأحلام التي حملوها، وبالأثر الذي تركوه في وجدان الآخرين. ونظيرة بنت أحمد الحارثي، كانت من أولئك الذين اختاروا طريقاً لا يسلكه كثيرون؛ طريق القمم، حيث الصمت أبلغ من الكلام، وحيث الإنسان يقف مجرداً أمام عظمة الطبيعة وقوة الإرادة.

لم تكن نظيرة متسلقة جبال فقط، بل كانت سفيرة لحلم عُماني صاعد. حملت راية وطنها إلى حيث لا تصل الأقدام إلا بعد مشقة طويلة، وحيث الهواء نادر، والبرد قاسٍ، والطريق محفوف بالمخاطر. كانت تصعد الجبال وهي تحمل في قلبها صورة عُمان؛ ذلك الوطن الذي آمن دائماً بأن الإنسان هو الثروة الحقيقية، وأن الطموح لا سقف له.

منذ خطواتها الأولى في عالم المغامرات، بدا واضحاً أن نظيرة لا تبحث عن مغامرة عابرة، بل عن اختبار عميق للذات. كانت ترى في الجبل مدرسة للصبر، وفي الارتفاع درساً في التواضع، وفي مواجهة الطبيعة مواجهةً مع مخاوف الإنسان الداخلية قبل أن تكون مواجهة مع الثلج والصخر والريح.

وعندما وصلت إلى قمة إيفرست، لم تكن تلك لحظة شخصية فحسب، بل كانت لحظة وطنية وإنسانية؛ فقد أثبتت أن المرأة العُمانية قادرة على الوصول إلى أصعب الأماكن حين تمتلك الإرادة والشغف. ثم واصلت رحلتها نحو قمم أكثر شراسة؛ أما دابلام، وماناسلو، وK2، وغيرها من القمم التي تختبر أقصى حدود التحمل البشري.

كانت نظيرة تعرف أن الجبل لا يمنح أحداً ضمانات، وأن كل صعود يحمل احتمال العودة أو الفقدان. لكنها كانت تؤمن بأن الحياة نفسها رحلة صعود، وأن الإنسان الذي يخشى الطريق الصعب قد يحرم نفسه من رؤية الآفاق البعيدة.

وفي برود بيك، أحد جبال كاراكورام الشامخة في باكستان، كتبت نظيرة الفصل الأخير من رحلتها. هناك، حيث يختلط بياض الثلج بزرقة السماء، وحيث يسكن الصمت في أعالي القمم، اختارت الأقدار أن تحتفظ بها الجبال التي أحبتها. لم يكن رحيلها هزيمة أمام الطبيعة، بل كان امتداداً لقصة إنسانة عاشت وهي تطارد القمم حتى آخر خطوة.

إن بعض الناس يغادرون الحياة تاركين خلفهم ذكريات، وبعضهم يغادرون تاركين إرثاً. ونظيرة تركت إرثاً يتجاوز الإنجاز الرياضي؛ تركت رسالة تقول إن الأحلام الكبيرة لا تخيف أصحاب النفوس الكبيرة، وإن الإنسان يستطيع أن يتجاوز الحدود التي يرسمها الآخرون له.

رحلت نظيرة، لكن صورتها ستبقى على تلك القمم التي وطأتها، وفي قلوب كل من رأى فيها نموذجاً للشجاعة والطموح. ستبقى ابنة عُمان التي جعلت من الجبل منبراً، ومن المغامرة رسالة، ومن التحدي طريقاً نحو الخلود.

سلامٌ على روح صعدت كثيراً حتى أصبحت جزءاً من السماء..

سلامٌ على نظيرة الحارثية؛ المرأة التي لم تبحث عن القمة لتقف فوق الآخرين، بل صعدت إليها لتقول للعالم: إن الإنسان حين يؤمن بحلمه يستطيع أن يلامس المستحيل.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*